ثمّ إنّه ركب جواده وأخذ القربة ، فأحاط به أربعة آلاف ، ورموه بالنّبال فلم ترعه كثرتهم ، وأخذ يطرد أولئك الجماهير وحده ، ولواء الحمد يرف على رأسه ، ولم يشعر القوم أهو العبّاس يجدل الأبطال أم أنّ الوصيّ يزأر في الميدان ، فلم تثبت له الرّجال ، ونزل إلى الفرات مطمئنّا غير مبال بذلك الجمع .
ولمّا اغترف من الماء ليشرب ، تذكّر عطش الحسين ومعه ، فرمى الماء وقال :
يا نفس من بعد الحسين هوني * وبعده لا كنت أن تكوني
هذا الحسين وارد المنون * وتشربين بارد المعين
تا اللّه ما هذا فعال ديني « 1 »
ثمّ ملأ القربة وركب جواده ، وتوجّه نحو المخيّم ، فقطع عليه الطّريق ، وجعل يضرب حتّى أكثر القتل فيهم ، وكشفهم عن الطّريق ، وهو يقول :
لا أرهب الموت إذا الموت زقا « 2 » * حتّى أوارى في المصاليت لقى
نفسي لسبط المصطفى الطّهر وقى * إنّي أنا العبّاس أغدو بالسّقا
ولا أخاف الشّرّ يوم الملتقى
فكمن له زيد بن الرّقّاد الجهنيّ من وراء نخلة ، وعاونه حكيم بن الطّفيل السّنبسيّ ، فضربه على يمينه ، فبراها ، فقال عليه السّلام :
واللّه إن قطعتم يميني * إنّي أحامي أبدا عن ديني
وعن إمام صادق اليقين * نجل النّبيّ الطّاهر الأمين
فلم يعبء بيمينه بعد أن كان همّه إيصال الماء إلى أطفال الحسين وعياله ولكن حكيم ابن الطّفيل كمن له من وراء نخلة ، فلمّا مرّ به ضربه على شماله فقطعها ، وتكاثروا عليه ،
هامش
( 1 ) - رياض المصائب ص 313 .
( 2 ) - زقا : بمعنى صاح ، وكانت العرب تزعم أنّ للموت طائر يصيح ويسمّونه « الهامة » .