فطأطأ الحسين برأسه وبكى بكاء شديدا .
وبينما العبّاس في ذلك ونحوه إذ سمع الأطفال - ومعهم سكينة بنت الحسين عليه السّلام - ينادون : العطش ، العطش .
فرفع رأسه إلى السّماء ، وقال : إلهي وسيّدي ! أريد أن أعتدّ بعدتي ، وأملأ لهؤلاء الأطفال قربة من الماء .
فركب فرسه وأخذ سيفه ورمحه والقربة ، وقصد الفرات ، فأحاط به أربعة آلاف فارس ، وهم الّذين كانوا موكّلين بالفرات - وأخذوا يرمونه بالنّبال ، فلم يعبأ بجمعهم ، ولا راعته كثرتهم .
فكشفهم عن وجهه ، وقتل منهم - على ما روي - ثمانين فارسا ، ودخل الفرات مطمئنّا غير هيّاب لذلك الجمع الغفير .
وفاؤه لعطش أخيه
ثمّ اغترف من الماء غرفة ، وأدناها من فمه ليشرب ، فتذكّر عطش أخيه الحسين وعطاشى أهل بيته وأطفاله ، فرمى الماء من يده وقال :
يا نفس من بعد الحسين هوني * وبعده لا كنت أن تكوني
هذا الحسين وارد المنون * وتشربين بارد المعين
تا اللّه ما هذا فعال ديني
ثمّ ملأ القربة وحملها على كتفه الأيمن ، وركب جواده ، وتوجّه نحو الخيام مسرعا ليوصل الماء إلى عطاشى أهل البيت ، فأخذوا عليه الطّريق ، وتكاثروا عليه ، وأحاطوا به من كلّ جانب .
فجعل يصول في أوساطهم ، ويضرب فيهم بسيفه وهو يرتجز ويقول :
لا أرهب الموت إذا الموت زقا * حتّى أوارى في المصاليت لقى
نفسي لنفس المصطفى الطّهر وقا * إنّي أنا العبّاس أغدو بالسّقا
ولا أخاف الشّرّ يوم الملتقى