قلّة ناصراه ! يعزّ واللّه عليّ فراقك . ثمّ بكى بكاء شديدا ، فحمله على ظهر جواده ، وأقبل به إلى الخيمة وهو يبكي حتّى أغمي عليه .
قال في منتخب التّواريخ : حدّث الشّيخ الجليل الحاجّ ملّا عليّ التّبريزيّ قال : سمعت من بعض أفاضل علماء العرب إنّ الأزريّ لمّا قال :
( يوم أبو الفضل استجار به الهدى ) ومعناه : إنّ يوم عاشوراء يوم استجار الحسين عليه السّلام بأخيه العبّاس . توقّف في ذلك ، وتخيّل إنّ هذا المصراع من البيت لعلّه غير مقبول عند الحسين عليه السّلام ، ولذا توقّف في مصراعه الآخر وما أتمّ البيت ، فنام ورأى الحسين عليه السّلام في منامه وقال عليه السّلام له : ولنعم ما قلت ، ولقد أحسنت ، وأجدت ، نعم ، لقد استجرت بالعبّاس يوم عاشوراء ، وتممّه ، وقل بعده ( والشّمس من كدر العجاج لثامها ) يعني استجرت به حين أنّ الأرض والسّماء أغبرت من كثرة العجاج والغبار حتّى كأنّ الشّمس تلثّمت وتنقّبت بالعجاج . [ . . . ]
وملأ القربة ، وحملها على كتفه الأيمن ، وتوجّه نحو الخيمة ، فقطعوا عليه الطّريق وأحاطوا به من كلّ جانب ، فحاربهم . وفي التّظلّم : فأخذوه بالنّبال من كلّ جانب حتّى صار درعه كالقنفذ من كثرة السّهام ، فكمن له زيد بن ورقاء من وراء نخلة ، وعاونه حكيم بن طفيل السّنبسيّ ، فضربه على يمينه فقطعها ، فأخذ السّيف بشماله وحمل القربة على كتفه الأيسر وهو يرتجز ويقول :
واللّه إن قطعتموا يميني * إنّي أحامي أبدا عن ديني
وعن إمام صادق اليقين * نجل النّبيّ الطّاهر الأمين
فقاتل حتّى ضعف ، فكمن له الحكيم بن الطّفيل الطّائيّ أو نوفل الأزرق ، فضربه بالسّيف على شماله ، فقطع يده من الزّند ، فحمل القربة بأسنانه وهو يقول :
يا نفس لا تخشي من الكفّار * وأبشري برحمة الجبّار
مع النّبيّ السّيّد المختار * قد قطعوا ببغيهم يساري
فأصلهم يا ربّ حرّ النّار