واللّه عقرت بالحرّ بن يزيد فرسه ، حشأته سهما ، فما لبث أن أرعد الفرس ، واضطرب وكبا ، فوثب عنه الحرّ ، كأنّه ليث والسّيف في يده ، وهو يقول :
إن تعقروا بي فأنا ابن الحرّ * أشجع من ذي لبد هزبر « 1 »
قال : فما رأيت أحدا قطّ يفري فريه . « 2 »
قال : فقال له أشياخ من الحيّ : أنت قتلته ؟ قال : لا واللّه ما أنا قتلته ، ولكن قتله غيري ، وما أحبّ أنّي قتلته . فقال له أبو الودّاك : ولم ؟ قال : إنّه كان زعموا من الصّالحين ، فو اللّه لئن كان ذلك إثما لأن ألقى اللّه بإثم الجراحة ، والموقف أحبّ إليّ من أن ألقاه بإثم قتل أحد منهم .
فقال له أبو الودّاك : ما أراك إلّا ستلقى اللّه بإثم قتلهم أجمعين ؛ أرأيت لو أنّك رميت ذا ، فعقرت ذا ، ورميت آخر ، ووقفت موقفا ، وكررت عليهم ، وحرّضت أصحابك ، وكثّرت أصحابك ، وحمل عليك ، فكرهت أن تفرّ ، وفعل آخر من أصحابك كفعلك ، وآخر وآخر ، كان هذا وأصحابه يقتلون ! أنتم شركاء كلّكم في دمائهم .
فقال له : يا أبا الودّاك ! إنّك لتقنّطنا من رحمة اللّه ، إن كنت وليّ حسابنا يوم القيامة ، فلا غفر اللّه لك إن غفرت لنا ! قال : هو ما أقول لك .
الطّبري ، التّاريخ ، 5 / 437 - عنه : القمي ، نفس المهموم ، / 267 - 268 ؛ المحمودي ، العبرات ، 2 / 36 ؛ مثله المازندراني ، معالي السّبطين ، 1 / 366
ثمّ كرّ على أصحاب ابن زياد فقاتلهم ، فقتل منهم رجلين ، ثمّ قتل رحمه اللّه .
الطّبري ، التّاريخ ، 5 / 392 - عنه : ابن كثير ، البداية والنّهاية ، 8 / 170
قال : فأخذ الحرّ يرتجز ويقول : « 3 »
هامش
( 1 ) - [ أضاف في المعالي :« ولست بالجبان عند الكرّ * لكنّي الوقاف عند الفرّ »]
( 2 ) - [ إلى هنا حكاه في المعالي ] .
( 3 ) - [ وفي المعالي مكانه : « ثمّ أخذ يقاتل هو وزهير بن القين قتالا شديدا وأنشأ الحرّ يقول . . . » ، وفي -