صاحب - الدّرّ النّظيم - في بعض فصوله راويا عن أبي مخنف أنّه قال : لمّا نزل الحسين عليه السّلام قصر بني مقاتل ، رأى فسطاطا مضروبا . فقال : لمن هذا الفسطاط ؟ فقيل : لعبيد اللّه ابن الحرّ الجعفيّ - وكان معه الحجّاج بن مسروق الجعفيّ ، وزيد بن معقل الجعفيّ - فأرسل الحسين عليه السّلام الحجّاج إليه يدعوه ، فلمّا أتاه ، قال له : يا ابن الحرّ ! أجب الحسين بن عليّ ابن أبي طالب عليه السّلام . فقال له : أبلغ الحسين عنّي وقل له : إنّي لم أخرج من الكوفة إلّا فرارا من دمك ، ولئلّا أعين عليك ، والحسين عليه السّلام ليس له ناصر بالكوفة ولا شيعة . فجاء الحجّاج ، وبلغ الحسين مقالته ، فعظم على الحسين عليه السّلام . ثمّ إنّه دعى بنعليه فركبهما ، وأقبل يمشي ، حتّى دخل على عبيد اللّه - وهو في الفسطاط - وكان الحسين عليه السّلام عليه جبّة خز وكساء وقلنسوة . فلمّا رأى الحسين مقبلا ، قام إليه إجلالا ، وأوسع له عن صدر المجلس ، حتّى أجلسه بمكانه .
قال يزيد بن مرّة : حدّثني ابن الحرّ ، قال : دخل على الحسين عليه السّلام ولحيته كأنّها جناح غراب . ما رأيت أحدا قطّ أحسن ولا أملأ للعين من الحسين عليه السّلام ، ولا رققت لأحد قطّ كرقّتي على الحسين حين رأيته يمشي وأطفاله حواليه .
فالتفت الحسين عليه السّلام إلى عبيد اللّه وقال له : ما يمنعك يا ابن الحرّ أن تخرج معي ؟ فقال :
لو كنت ممّن كتب لك ، لكنت معك . ولكن هذه خيلي المعدّة والأدلّاء من أصحابي . وهذه فرسي الملحقة ، فو اللّه ما طلبت عليها شيئا إلّا أدركته ، وما طلبني أحد إلّا فتّه . فدونكها فاركبها حتّى تلحق بمأمنك ، وأنا ضمين لك بالعيالات ، حتّى أؤدّيهم إليك ، أو أموت أنا وأصحابي دونهم ، وأنا كما تعلم ، إذا دخلت في أمر لا يضمني [ ؟ ] فيه أحد .
فقال الحسين عليه السّلام : هذه نصيحة منك لي ؟ قال : نعم ، فو اللّه الّذي لا إله فوقه . فقال الحسين : إنّي سأنصحك كما نصحتني : مهما استطعت أن لا تشهد وقعتنا ، ولا تسمع واعيتنا .
فو اللّه لا يسمع اليوم واعيتنا أحد ، ثمّ لا ينصرنا إلّا أكبّه اللّه على منخريه في النّار . وفي الأمالي : فقال له الحسين : لا حاجة لنا فيك ، ولا في فرسك . ثمّ تلا قوله تعالى :
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً .
ثمّ فارقه الحسين عليه السّلام . قال أهل السّير : ولمّا قتل الحسين عليه السّلام ندم عبيد اللّه على عدم نصرته للحسين عليه السّلام .