ألا يدعوهم ذلك إلى الشكر والطاعة ؟ ! الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ إن قريشا نسبت أن كل ذلك كان بفضل آثار الرسالة الإبراهيمية التي تجلت في دعاء مجدد بناء الكعبة المشرفة ، الذي جار إلى الله قائلا : قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [ إبراهيم : 35 ] .
لكنهم أخطؤوا في تفسير هذه الظاهرة الفريدة في محيط الجزيرة العربية الذي كانت القبيلة في دوامة من الحروب الدامية ، والأزمات الاقتصادية الخانقة ، وكان خطأ قريش في تفسير ذلك حائلا إذ جعلهم يواجهون رسالة الإسلام ، مما أزال سيادتهم على الجزيرة ، وسلب منهم شرف سدانتهم للحرم ، وفتح الله مكة لنبيه الكريم محمد صلى الله عليه وآله وجعلهم الطلقاء بعد أن كانوا سادة العرب ! .
ويبدو أن هذه السورة الكريمة وفرت فرصة ذهبية لقريش لكي تصحح نظرتها إلى نفسها ، حتى لا تفتخر بما تملك من متعة وغنى ، ولا تتخذها وسيلة للطغيان والعصيان ، ونشر الفساد في الأرض ، والاستكبار على الناس . ولكن قريشاً لم تنتفع بذلك لا في عهد هبوط الآية ولا بعدئذٍ ، حيث أنها كادت لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وحاربت رسالته ، فلما نصره الله عليهم دخلوا في الإسلام وقلوبهم مليئة بأحقاد الجاهلية ، ثم انضووا تحت راية الحزب الأموي الحاقد على الإسلام ، وانتقموا من آل الرسول عليهم السلام ، وقال شاعرهم يزيد بن معاوية « 1 » بعد قتله للإمام الحسين عليه السلام :
لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم انتقم * من بني هاشم ما كان فعل
وهكذا أذلهم الله وجعلهم عبرة لكل معتبر .
واليوم إذا استمرت العرب تفتخر بثرواتها وبأمجادها بعيدة عن رسالات الله فإن مصيرها لن يكون أفضل من عاقبة قريش وحزبه الأموي ، أما إذا اعتزوا بالإسلام فإن الله يرفع شأنهم ، ويعيدهم إلى شرفهم الأسمى ، ومجدهم التليد .
هامش
( 1 ) لواعج الأشجان للسيد محسن الأمين : ص 226 .