وهكذا فسروا الإيلاف : بإيجاب الألف ، وهو الاجتماع المقرون . بالالتئام ، ونظيره الإيناس ، ونقل عن الأزهري أنه يشبه الإجارة والخفارة ، يقال : ألف يؤلف : إذا أجار الخمائل بالخفارة « 1 » حيث أن الله وفر لقريش فرصة التجارة ، بما كانت لهم من علاقات حسنة مع سائر العرب ، وبما كانت لهم من هيبة في نفوس الناس باعتبارهم في جوار بيت الله .
وأنى كان أصل معنى الإيلاف فإن اللفظ يشير إلى معنى المدنية والحضارة ، لأن كلمة المدنية مشتقة من المدينة ، والإيلاف بدوره يوحي بالتواجد في مكان واحد ، أما الحضارة فهي مشتقة من حضور الناس عند بعضهم ، بينما الإيلاف يدل على الحضور والتآلف ، ومعروف أن التآلف أهم من مجرد الحضور ، وقد جعله الله سبحانه نعمة كبرى حين قال سبحانه : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [ الأنفال : 63 ] .
ومعلوم أن هناك فرقاً بين هذه الألفة العميقة التي تكون بين القلوب ، والتي لا يصنعها المال ، وإنما الإيمان . وبين الألفة الظاهرة بين أفراد وفئات المجتمع لزوال عوامل التنافر بينهم ، وهي المحققة للاستقرار في المجتمع . وهذه من عواملها الأساسية الرخاء الاقتصادي ، فالاقتصاد أساس في الاستقرار لكنه ليس كل شيء .
وقريش كانت القبيلة العربية التي ظهرت فيها بوادر المدنية باستقرارها في منطقة استراتيجية ، وأمنها ، واشتغالها بالتجارة التي هي أكثر من مجرد علاقات اقتصادية ، لأنها توفر أيضا فرصة التواصل الثقافي .
ولا ريب أن كل هذه الفرص لم تتوفر لقريش إلا بفضل ما بقيت لديهم من آثار الوحي ، ومن تراث الحنفية الإبراهيمية ، وحسب النصوص الشرعية : كان النبي صلى الله عليه وآله من سلالة طاهرة موحدة ، لم تدنسها الجاهلية بشركها وفسوقها .
وكلمة قريش : جاءت من القرش بمعنى المال ، باعتبارهم كانوا تجارا ، والتقريش بمعنى الاكتساب ، وقيل : بل جذر الكلمة من الاجتماع ، حيث يقال تقرشوا : أي اجتمعوا ، وإنما سموا بذلك حينما جمع قصي بن كلاب سائر قريش في الحرم وأنشدوا بعضهم :
أبونا قصي كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر
ويقال : إن الكلمة مأخوذة من سمك القرش ، لأنه الأعظم بين أحياء البحر ، وقريش
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 20 ص 204 .