كانت الأعظم بين أحياء العرب .
وأنى كان الاسم ومصدره فإن القبائل التي كانت تنتمي إلى النضر بن كنانة بن خزيمة كانت تسمى بهذا الاسم .
وقد ذكر بعضهم قصة تعكس بداية اهتمام هذه القبيلة بأمر التجارة في عهد عمرو بن عبد مناف « 1 » المعروف بهاشم وهو جد النبي صلى الله عليه وآله ، وهي تدل على أن ذلك كان بسبب مجاعة أصابتهم ، كما إن تلك المجاعة دعتهم إلى تنظيم علاقاتهم الاجتماعية بصورة أفضل ، حتى قال شاعرهم في صفة التواسي بينهم :
والخالطون فقيرهم بغنيهم ح - * تى يصير فقيرهم كالكافي
[ 2 ] إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ أي ألفوا هذه الرحلة بفعل الله وفضله ، وكانوا يرحلون في الشتاء إلى اليمن لأنها بلاد دافئة ، بينما يتجهون صيفا إلى الشام لمناخها المعتدل . وقال بعضهم : بل كانوا يشتون بمكة ، ويصيفون بالطائف وأنشدوا :
تشتي بمكة نعمة ومصيفها بالطائف
وسواء كانت التشتي والاصطياف بهذه الأرض أو تلك أو بهدف التجارة أو المتعة ، فإن ذلك يعكس مستوى رفيعاً من المدنية والغنى ، أليس الإنسان كلما تحضر أكثر كلما بحث عن وسائل الراحة ، حتى ولو اقتضى الأمر الارتحال من بلد لآخر ؟ .
[ 3 ] ما الذي جعلهم في أمن وغنى ، أليس جوارهم لبيت الله ؟ فلماذا الشرك به والتمرد على رسالاته ؟ ! وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ ! وأي انتكاسة كبيرة في فطرة الإنسان تلك التي تجعل جزاء الإحسان كفرا وعصيانا ؟ ! فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ فلأجل شكر نعمة إيلاف الله رحلة الشتاء والصيف لقريش عليهم أن يعبدوا رب هذا البيت ، الذي كان محور إيلافهم ووحدتهم وحضارتهم ، وكما تفاعل المجتمع مع محور تقدمه وحضارته ، ومع أسباب رفاهه وغناه كلما كان ذلك سببا لدوام نعم الله عليه وزيادتها وتناميها .
[ 4 ] بسبب الإيلاف الذي كان بدوره نابعا من جوار البيت الحرام ، وفر الله لقريش أهم نعمتين : الغنى والأمن بالرغم من تواجدهم في بلاد قاحلة ، لا زرع فيها ولا ضرع ، بلاد قاسية دعت أهلها المعدودين إلى الصراع من أجل البقاء ، فكانوا في حروب لا تنتهي ، شعارهم الخوف ، ودثارهم السيف . في هذه البيئة القاسية الفقيرة الخطيرة وفر الله لقريش الطعام والأمن .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 20 ، ص 205 - 204 .