تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
يرجى له علاج ، فقد يكون الأقل منه شقوة ينتفع بالذكرى في بعض ساعات حياته . [ 12 ] ومثل هذا الإنسان لا يصلح إلا للنار ، لأنه أعدم كل عناصر الخير في ذاته . الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ليست كهذه النار التي نراها في الدنيا . إنها أشد وأبقى ، وقد بين الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام مدى الفرق بينهما بالقول : [ إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَقَدْ أُطْفِئَتْ سَبْعِينَ مَرَّةً بِالْمَاءِ ثُمَّ الْتَهَبَتْ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ آدَمِيٌّ أَنْ يُطِيقَهَا ] « 1 » . [ 13 ] والسؤال : كيف يتحمل جسم الإنسان هذه النار العظيمة فلا يحترق ويصبح رمادا أو غازا كما أصبحت الأشياء التي احترقت بنار القنبلة الذرية ، والتي لا ريب أنها أقل بكثير من نيران جهنم ؟ بلى ، ربنا يعطي الجسم المزيد من الإمكانات تمهيدا لتألم صاحبه . أولم يقل ربنا سبحانه : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [ النساء : 56 ] ؟ وهكذا يبقى الأشقى في النار بين الموت والحياة ، فكل أسباب الموت موجودة ، وكل عوامل الحياة مفقودة ، ولكنه لا يموت بقدرة الله . ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى ومثال ذلك في الدنيا أن بعضهم يبتلى بعذاب الدنيا من فقر ومرض وسجن وقلق و . . و . . ولكنه لا يموت فيستريح ، فيقول مع الشاعر :
ألا ما لنفس لا تموت فينقضي * عناها ولا تحيا حياة لها طعم
[ 14 ] تلك كانت عاقبة الذي يتجنب التذكرة ، أما الذي تذكر فإنه يتدرج في معارج السمو حتى يبلغ الذروة ، كيف ؟ إنه بعد التذكر يزكي نفسه من رواسب الشرك بالله ، فلا يقدس أحدا سواه ، بل لا يخاف أحدا حق الخوف ولا يرجوه حق الرجاء ما سوى ربه الأعلى ، ويسعى لتطهير قلبه من حب الدنيا ، والتكاثر منها ، والتنافس على حطامها ، ويتحرر من الغل تجاه إخوانه ومن الحسد والحقد والعصبية ، وهكذا يبلغ الفلاح الذي يعني وصول الإنسان إلى هدفه الأسمى . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى إنه يبحث عن الطهارة ، طهارة قلبه من رواسب الشرك وأخلاقه الرذيلة ، وتطهير ماله من الحرام ، وحقوق الفقراء ( بما يسمى زكاة بوجه عام ) ، وتطهير جسده من النجاسات . ومن هنا جاء في الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال ( في تفسير الآية ) : [ أَخْرِجْ زَكَاةَ الفِطْر ] « 2 » . وبهذا التفسير لكلمة التزكي نجمع بين الآراء المختلفة في تفسيرها من زكاة القلب من الشرك إلى زكاة المال من حق الآخرين .
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 1 ص 366 ، بحار الأنوار : ج 8 ص 288 . ( 2 ) القرطبي : ج 20 ص 21 .
من هدى القرآن — صفحة 161 | السيد محمد تقي المدرسي