لآياته ، وبيان لسننه ، ومظهر لأسمائه : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ( 13 ) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ يفصل بين الصواب والخطأ والحق والباطل ، كما إن يوم القيامة يوم الفصل . وقد روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال :
[ سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقَول : كِتَابُ الله فِيهِ بَيَانُ مَا قَبْلَكُمْ مِنْ خَيْرٍ ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ ، مَنْ وَلِيَهُ مِنْ جَبَّارٍ فَعَمِلَ بِغَيْرِهِ قَصَمَهُ اللهُ ، وَمَنِ الْتَمَسَ الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ الله ]
« 1 » . وقد جاءت هذه الكلمة في هذا السياق لكي لا يلجأ الإنسان من هول ما يسمعه إلى التكذيب ، ويقول في نفسه : لعل هذا الوعيد نوع من التخويف المبالغ فيه . كلا . . فليس في القرآن كلمة كاذبة أو مبالغة ، ولا حرف ولا إيفاء حرف . أنه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وهكذا يسد السياق كل منافذ الفرار النفسي من مواجهة الحقيقة الكبرى التي تنتظر الجميع ( حقيقة الجزاء ) فلا إخفاء ولا تبرير ولا محاورات الاستنصار بالآخرين أو التهرب من الحقيقة بتكذيبها .
[ 15 ] ولا يقتصر الكفار على تكذيب رسالات الله للتهرب من الحقائق التي تذكر بها ، وإنما يحاربونها بشتى ألوان الحرب حتى يصنعوا حجابا نفسيا واجتماعيا بينهم وبينها ، فلا يتأثرون بها أبدا . إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً والكيد هو : التلطف لبلوغ الهدف بأساليب مختلفة ، ويستخدم في الشر والخير ، وأن كانت الكلمة توحي بالشر . والكلمة المرادفة لها في أدبنا اليوم : التخطيط الحصيف ، ويبدو أن مجمل مساعي الكفار ومن هم في خط النفاق والفسق تتجه نحو تغيير مسار الحق ، وإخفائه بالباطل الذي يبتدعونه ، والصد عنه بالمكر والكيد . إنه الموقف الاستراتيجي للكفر . ومن خصائص الكيد التوسل ببعض الخطط الخفية التي لا تبلغ الهدف إلا عبر مراحل عديدة ، وقد يضع الكفار خطة خمسية أو عشرية أو حتى بعيدة المدى لعلها تبلغ هدفها بلا عقبات ، لأنها في زعمهم خطة محكمة سرية ومتواصلة الحلقات . بيد أن خططهم لا تهدف الرسول كشخص ، ولا المؤمنين كطائفة ، بل تهدف الرسالة التي يدعون إليها ، وغريمهم في ذلك لن يكون المؤمنون أو الرسول وحسب بل رب العزة جبار السماوات والأرض سبحانه وتعالى .
[ 16 ] وإذا كان الكفار يسعون لبلوغ هدفهم عبر خطط متناهية في الدقة بزعمهم فإن كيد الله متين . كيف يكيد الله لهم ؟ إنه سبحانه يهيئ أسباب تدميرهم على حين غفلة منهم . أرأيت كيف يدبر الشرطة مثلا خطة للإيقاع بالمجرمين ، ويخطط المجرمون لجريمتهم بإتقان ويخطط الشرطة ، والمجرمون لا يعرفون شيئا عن خطط الشرطة ، بينما رجال الشرطة يعرفون ما يجري هناك ؟ ! وفي ساعة الصفر حينما تبلغ خطط الكفار مرحلة التنفيذ ، ويكادون يسطون بالنبي
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 89 ، ص 24 .