فَذَلِكَ قَولَهُ :
يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ] « 1 » .
[ 10 ] في ذلك اليوم الرهيب يقف الإنسان عاريا من أي ستر ، بعيدا عن أي عذر ، لا يمكنه التبرير والنفاق ولا الكذب والدجل . وأنى له ذلك وقد اجتمعت عليه الشهود مما حوله ومما فيه ، وقلبه مفضوح على كفه نياته ، وعقائده كلها مكشوفة ؟ ! فأين المهرب ؟ قد يزعم البعض أنه يقدر على منع بعض الشر عن نفسه ، كلا . . فهو أضعف من ذلك . إنه منح في الدنيا القوة لكي تجرب إرادته ، ويمتحن إيمانه ، أما ذلك اليوم فهو مستسلم ذليل . وقد يزعم البعض أنه يستعين بحزبه وعشيرته ووالديه وأسرته ، كلا . . إنهم يومئذ مشغولون بأنفسهم . وهب أنهم أرادوا نصره فهل يقدرون ؟ هيهات . فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ واليوم قبل ذلك اليوم دعنا نجأر إلى ربنا لعله يغفر لنا الذنوب التي اجترحناها قبل الفضيحة الكبرى أمام الملأ العظيم وقبل العذاب الشديد .
[ 11 ] وعذاب الآخرة ليس العذاب الوحيد لمن انحرف عن مسيرة الحق ، ففي الدنيا عذاب أخف منه ، ولكنه في مقاييسنا عذاب شديد . إنه الهزيمة النكراء التي تلحق الكفار والمنافقين . . ذلك لأنهم شذوا عن سنن الله في السماء والأرض ، وكفروا بالحق الذي أنزل على النبي صلى الله عليه وآله . فقسما بالسماء وبالأرض : إن الوحي حق ، والنذير حق ، وليس بالهزل . وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ قالوا : الرجع يعني المطر ، واستشهدوا بقول الشاعر :
أبيض كالرجع رسوب إذا * ما ثاخ في محتفل يختلي
وقال بعضهم : [ بل الرجع الشمس والقمر والنجوم يرجعن في السماء ، تطلع في ناحية وتغيب في الأخرى ] . وقيل : [ بل الملائكة يرجعون بأعمال العباد ] . ويبدو لي أن الأنسب إلى السياق هو رجوع الأفلاك إلى مراكزها بتناسب ونظم ، دون أي تغيير في مسارها ، مما يدل على رجوع الإنسان إلى أمر الله في يوم شاء أم أبى .
[ 12 ] وقسما بالأرض التي تتصدع . وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ قالوا : تصدع بالنبات ، كما قال ربنا سبحانه : ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً [ عبس : 26 ] . ويبدو لي أن الأرض قد جعلها الله ذلولا بحيث تستقبل المطر ، وتخرج النبات ، وتمكن الفلاح من حرثها ، والبناء من حفرها ، وطالب الكنز من استثارتها . . وكل ذلك يدل على حكمة الله البالغة من خلقها .
[ 13 - 14 ] كما الطبيعة تجليات لسنن الله ، ومظاهر أسمائه الحسنى ، كذلك الوحي تجل
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 323 ، نور الثقلين : ج 5 ، ص 552 .