والتعذيب والقتل ! .
وقد نتساءل : ما الذي جعل هذا الإنسان الذي لا يكاد يتحمل أذى بقة يقتحم النيران المتقدة بجسده البض ليحترق أمام أعين الناقمين والشامتين ، دون أن يتنازل عن إيمانه ؟ .
أقول :
أولًا : إن وضوح الرؤية عندهم كان قد بلغ حدًّا كانوا يعيشون ببصائر قلوبهم الجنة ونعيمها فيتسلون بها عن شهوات الدنيا ، ويعيشون بقوى قلوبهم النار وعذابها فتهون عليهم مصائب الدنيا ومشاكلها . وإننا نقرأ قصة الأم التي ترددت قليلا باقتحام النار مع رضيعها فقال لها ابنها : يا أماه إني أرى أمامك نارا لا تطفأ ( يعني نار جهنم ) فقذفا جميعا أنفسهما في النار .
ثانياً : عندما يقرر الإنسان شيئا يسهل عليه القيام به ، وبالذات حينما يكون الأمر في سبيل الله يُهوَنه الرب له ، ويثبت عليه قدمه ، ويرزقه الصبر على آلامه وتبعاته ، ويقوي إيمانه ، ويشحذ بصيرته ليرى بها أجره في الآخرة . . وهكذا ترى عباد الله الصالحين يقاومون عبر التاريخ مختلف الضغوط ، ويتحملون ألوانا من الأذى بقلب راض ونفس مطمئنة ، لعلمهم أن سنن الله واحدة لا تتغير ولا تتبدل ، وأن المؤمنين الذين احترقوا في الأخدود هم سواء مع أي مؤمن يعتقل اليوم في سجون الطغاة أو يعذب أو يقتل أو يتحمل مشاكل الهجرة والجهاد ومصائبهما ، وكما خلد الله أمجاد أولئك الصديقين فإنه لا يضيع اجر هؤلاء التابعين لهم ، وكما أن الله قتل أصحاب الأخدود ونصر رسالاته فإنه يهلك الجبارين اليوم ويستخلفهم بقوم آخرين .
[ 8 ] عند هيجان الصراع وثورة الدعاية ضد المؤمنين . لا يعرف الناس ماذا يفعلون ، وأي جريمة يرتكبون ، ولكن عندما يرجعون إلى أنفسهم بعدئذ ويتساءلون : لماذا قتلوا المؤمنين ، ولماذا نقموا منهم ، يعرفون أنهم كانوا في ضلال بعيد . وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فلا أفسدوا في الأرض ، ولا اعتدوا على أحد ، ولا طالبوا بغير حق ، وإنما استعادوا حريتهم ، وآمنوا بربهم الله العزيز المنيع الذي لا يقهر والحميد الذي لا يجور ولا يبخل ، ويعطي جزاء العباد ، ويزيدهم من فضله .
[ 9 ] وأيهما الحق التمرد على سلطان السماوات والأرض ، والدخول في عبودية بشر لا يملكون دفع الضر عنهم ، أم التحرر من كل عبودية وقيد ، والدخول في حصن الملك المقتدر القاهر الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وبالرغم من أن الله منح الطغاة فرصة الاختيار ضمن مهلة محدودة إلا إنه شاهد على ما يعملون ، ولا يغيب عنه شيء في السماوات والأرض . وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .
من هدى القرآن — صفحة 124
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٢٤