تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
[ 16 ] وكيف لا يكون سلطانا عظيما من يفعل ما يريد دون ممارسة لغوب ولا علاج ؟ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وإرادة الله صفة قدرته المطلقة . وهذه الآية تدل على أنه لا شيء يحد إرادته ، فليست إرادته قديمة كما زعمت فلاسفة اليونان ، وتسربت تلك الفكرة إلى اليهود فقالوا : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [ المائدة : 64 ] ! سبحان الله كيف يكون القادر أولا عاجزا آخرا ؟ ! وهل يوصف الرب تعالى بالأول والآخر فيكون متغيرا ؟ ! وانعكاس هذه الصفة علينا - نحن البشر - ألا يدعونا استمرار نعم الله وعادته الكريمة علينا إلى الغرور به ، والتمادي في الذنوب دون خشية عقابه . [ 17 - 18 ] فهؤلاء جنود إبليس اجتمعوا ليبطشوا بالمؤمنين فأين انتهى بهم المقام ؟ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 ) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ يسوقهما القرآن سوقا واحدا بالرغم من اختلاف أكثر الظروف ، ذلك لأنه سنة الله واحدة فيهما كما في غيرهما . [ 19 ] قد يبني البشر بنيانا متكاملا من الكذب ويحشر نفسه فيه ، فتراه يبحث لإنكاره لوجود ربه أو لقدرته أو لسنته في الجزاء عن فلسفة ذات أبعاد لعله يقنع نفسه والآخرين بها ، ويسميها - جدلا - فلسفة الإلحاد أو الفلسفة المادية ، وقد يتجاوز كل الحقائق ويسميها زورا بالفلسفة العلمية ، ثم يجعل أمام كل حق باطلا ، ولكل صواب بديلا من الخطأ ، ثم يحكم - في زعمه - نسج هذه الأباطيل ببعضها ويسميها نظرية أو مبدأ ، وإن هي إلا سلسلة من الأكاذيب . ومثل هذا الإنسان لا يسهل عليه الخروج من شرنقة الكذب التي نسجها حول نفسه ، ولذلك يتحصن ضد كل العبر والمواعظ حتى ولو كانت في مستوى عبرة العذاب الذي استأصل شأفة فرعون وثمود . بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ لأنهم كفروا بأعظم وأوضح الحقائق ( بالله العظيم ورسالاته ) ودخلوا في نفق التكذيب فلم يخرجوا منه للاعتبار بمصير فرعون الذي اشتهرت قصته بين أهل الكتاب أو بمصير ثمود الذين عرفت العرب أمرهم . [ 20 ] وهل ينفعهم التكذيب شيئا ؟ هل يمنعهم جزاء أعمالهم أو يخدع من يجازيهم فينصرف عنهم ؟ كلا . . لماذا ؟ لأن الإنسان يواجه ربه والله محيط بهم علما وقدرة وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ، قالوا : وراء الشيء الجهات المحيطة به الخارجة عنه ، فيكون مفهوم الآية أن الله محيط بكل بعد من أبعاد حياتهم . وهذا يتقابل مع كونهم في تكذيب . [ 21 ] ولكن أينتظرون ما يذكرهم ويخرجهم من نفق التكذيب أعظم من هذا الكتاب العظيم ؟ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ عظيم المستوى ، رفيع المجد ، لا تناله أيدي التحريف ، ولا يبلغ مستواه التافهون الحقراء الذين يعيشون في حضيض الشهوات ، ولا يمس جواهر حقائقه ولآلئ معانيه سوى المطهرين من دنس الشرك ، ومن رجس العقد النفسية ، ومن ظلام الأفكار