الثاني : الإهلاك والتدمير ، قال الرازي :
يعني أن الله لما أرسل أولئك الملائكة فهم يعصفون بروح الكافر ، يقال : عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه ]
« 1 » ، وعصفت الحرب بالقوم أي ذهبت بهم وأهلكتهم ، ويقال :
عصف الدهر بهم أي أبادهم ]
« 2 » . ويبدو أن الأقرب إلى السياق تأويل العصف بسرعة الرياح في حمل الغيث ، وليس في سرعتها في الإهلاك .
« وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً » إذا قلنا إنها الرياح فهي تنشر السحاب في الآفاق ، وتنشر الغيث والرحمة الإلهية من زرع وغيره ، كما أنها تنشر الحبوب واللقاح في بقاع الأرض المختلفة ، كما أن الملائكة
ينشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي ]
« 3 » ،
وتنشر الكتب عن الله ]
« 4 » ، أو
تنشر الرحمة والعذاب ، أو تنشر الكتب يوم الحساب ]
« 5 » .
« فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً » قيل :
إنها الرياح التي تفرق بين السحاب فتبدده ( بعد اجتماع ، ليقف المطر ، وتطلع الشمس ، ويظهر وجه السماء بعد الغيب ) عن مجاهد ]
« 6 » ، كما تفرِّق الملائكة
بين الحق والباطل بما تتنزل به من الآيات والوحي عن الله على رسله ، هكذا في التبيان ]
« 7 » والتفسير الكبير « 8 » .
« فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً » الملائكة تلقي رسالات الله على الأنبياء ، ولكن الملائكة ليست وحدها التي تذكرنا بالله إنذارا وإعذارا فإن الرياح تفعل ذلك أيضا ، لا فرق إن كانت رياح عذاب أو رياح رحمة ، والغيث النازل منها هو الآخر ذكر عظيم باعتباره يذكرنا بالبعث والخروج عندما يسقي الأرض فتراها اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ، وهذه الفكرة تفسر لنا اقتران الكلام عن القرآن ورسالات الله كثيرا بالحديث عن منظر الغيث وما يتلوه من ظواهر طبيعية على الأرض .
« عُذْراً » عذرا بإقامة الحجة حيث ألقى الله الذكر عبر الملائكة ، أو حذَّرهم وذكَّرهم بالرياح العاصفة . . كل ذلك قبل أن ينزِّل عليهم العذاب . « أَوْ نُذْراً » والإنذار معروف .
ولكن نتساءل عن الفرق بينه وبين الإعذار ؟ .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 264 .
( 2 ) المنجد : مادة عصف .
( 3 ) الكشاف : ج 4 ، ص 677 .
( 4 ) التبيان : ج 10 ، ص 223 .
( 5 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 264 .
( 6 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 528 .
( 7 ) التبيان : ج 10 ، ص 224 .
( 8 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 266 .