السَّحَابَ ، ثُمَّ يُرْسِلُ الذَّارِيَاتِ فَتَحْمِلُ السَّحَابَ فَتَدِرُّ كَمَا تَدِرُّ اللَّقْحَةُ ، ثُمَّ تَمْطُرُ وَهِي اللَّوَاقِحُ ، ثُمَّ يُرْسِلُ النَّاشِرَاتِ فَتَنْشُرُ مَا أَرَاد ]
« 1 » ، وفي المصدر نفسه :
قَامَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ عليه السلام فَقَالَ : مَا الْعَاصِفَاتُ عَصْفاً ؟ قَالَ : الرِّيَاح ]
« 2 » .
الثاني :
أنها الملائكة ، وفسرت
« عُرْفاً »
على أنها أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه ]
« 3 » ، وقيل :
إنهم الأنبياء والرسل ، الذين أُرسلوا بالوحي المشتمل على كل خير ومعروف ، فإنه لا شك أنهم أرسلوا ب - ( لا إله إلا الله ) ، وهو مفتاح كل خير ومعروف ]
« 4 » .
والذي يبدو لي إمكانية الجمع بين القولين ، إذا عرفنا أن للرياح ملائكة موكلة بها ترسلها وتزجرها بأمر الله ، بالذات وأن الصيغة جاءت للمبني للمجهول . ومن هذا المنطلق نستطيع القول : إن الآيات ظاهرها الرياح وباطنها الملائكة ، أما عن إلقاء الذكر الذي نتلوه في السياق فيمكن تأويله بالرياح والملائكة معا ، فإذا أَوَّلنا « وَالْمُرْسَلاتِ » بالملائكة فإنها تُلقي وحي الله وآياته إلى الأنبياء ثم إلى الناس . وإذا أَوَّلناها بالرياح فإنها الأخرى تلقي الغيث الذي يعد تذكرة للناس . ويمكن أن يقال : إن « وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً » تعني الرياح التي تكون في صالح الناس وخيرهم ، أي المرسلات بما يعرفه الناس ويستسيغونه من غيث وبشارة . وأنى كان فإن إجمال مثل هذه الكلمات يجعلنا نوصل الحقائق ببعضها ، فلا نميز بين الرياح المرسلات بالغيث والبركة وبين الملائكة الموكلين بها أو المرسلين بالوحي والرسالة ، فإن فائدة القسم تتحقق بهما ، كما أنهما معا من شواهد وعد الله ، ويصح القسم بهما ، وهذا من روائع النهج القرآني في الأدب .
« فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً » في التبيان :
يعني الرياح الهابة بشدة ، والعصوف مرور الريح بشدة ، وعصفت الريح تعصف عصفا وعصوفا إذا اشتد هبوبها ]
« 5 » ، وإذا صرفنا المعنى إلى الملائكة فللعصف وجهان :
الأول : السرعة ، فإن العرب تقول :
فرس عصوف أي سريع الحركة ]
، قال العلامة الطباطبائي :
والمراد بالعصف سرعة السير ، استعارة من عصف الرياح أي سرعة هبوبها ، إشارة إلى سرعة سيرها إلى ما أرسلت إليه ]
« 6 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 57 ، ص 21 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 57 ، ص 21 .
( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 528 .
( 4 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 26 .
( 5 ) التبيان : ج 10 ، ص 223 .
( 6 ) تفسير الميزان : ج 20 ، ص 146 .