بالآخرة ( البعث والحساب والجزاء ) لما التزم بالنظم والشرائع الإلهية ، ذلك أن الإيمان بسنة الجزاء الممتدة من الدنيا إلى الآخرة هو الذي يحرك فيه روح الانضباط والمسؤولية .
والذي يتدبر آيات القرآن في موضوع الآخرة يلاحظ أنها أصبحت من الكثرة والتفصيل والتأكيد من أبرز خصائص هذا الكتاب مما يبعث السؤال عن سبب ذلك وخلفياته . لعل أهم الأسباب هي التالية :
أولًا : أهمية موضوع الآخرة ، فإن الآخرة - كما سبق وأن قلنا في مواضع كثيرة - تعتبر حجر الأساس في تفكير الإنسان المؤمن وإيمانه .
ثانياً : إن الآخرة غيب في المستقبل والإسلام يريدها حاضرة في وعي المؤمنين ، من هنا يفصِّل الحديث فيها وينوعه ويكرره حتى يوصل ذلك الغيب إلى مستوى الشهود عندهم ، لذا نجد القرآن بعد الإشارة إلى الآخرة يبين الأمر ويفصل في توجيهنا إلى مشاهدها العظيمة .
« فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ » قال القمي :
يذهب نورها وتسقط ]
« 1 » ، وقال العلامة الطوسي :
والطمس محو الأثر الدال على الشيء ، والطمس على النجوم كالطمس على الكتاب ، لأنه يُذهب نورها والعلامات التي كانت تعرف بها ]
« 2 » ، وقال الفخر الرازي :
يحتمل أن يكون المراد مُحِقت ذاتها ، وهو موافق لقوله
« انتَثَرَتْ » و « وانكَدَرَتْ »
وأن يكون المراد : محقت أنوارها ، والأول أولى لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار ]
« 3 » . والأقرب عندي ما قاله الرازي لأن أصل الطمس من المحو وغياب المطموس . كما يظهر من ملاحظة الآيات القرآنية التي تناولت موضوع القيامة من زاوية حال النجوم يومئذ أنها كما الجبال تمر بمراحل حتى تنتهي وتزول ، فهي تنتثر عن بعضها ونسقها بسبب اختلال نظامها الكوني أولًا ، ثم تنكدر واحدة واحدة ، ثم تُطمس تماما فلا يبقى منها شعاع يدل عليها .
« وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ » في تفسير القمي :
تَنْفَرِجُ وَتَنْشَقُّ ]
هكذا جاء في رواية عن أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام « 4 » ، وفي مجمع البيان :
أي صارت فيها فروج ]
« 5 » ، بعد أن كانت محبوكة محكمة لا
ثغرة في نظامها ولا منفذ في بنيانها أبدا ( لا تفاوت ولا فطورا ) ، ولعل هذه مرحلة أولية تعقبها مراحل متتالية أخرى . وحسب ما يظهر من آيات كريمة أخرى : أن
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 400 .
( 2 ) التبيان : ج 10 ، ص 225 .
( 3 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 269 .
( 4 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 400 .
( 5 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 529 ، بتصرف .