من قال ذلك ، إلا إشارة عند الرازي إذ قال :
من أنكر المعاد بناء على الشهوة فهو الذي حكاه الله تعالى بقوله :
« بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ »
، ومعناه : أن الإنسان الذي يميل طبعه إلى الاسترسال في الشهوات ، والاستكثار من اللذات ، لا يكاد يقر بالحشر والنشر ، وبعث الأموات ، لئلا تتنغص عليه اللذات الجسمانية ، فيكون أبدا منكرا لذلك ]
« 1 » . والضمير في « أَمَامَهُ » إما أن يعود إلى يوم القيامة ، أو إلى الله عز وجل ، حيث إن الفاجر يمارس فجوره في حضور وشهادة الله ، أو يكون عائدا على الإنسان نفسه باعتباره يفجر أمام ضميره وبشهادة من جوارحه التي تُدلي بشهادتها عليه عند الحساب . والأصح أن الضمير يرجع إلى الإنسان ، لأن الحديث حوله وسائر الضمائر ترجع إليه ، ولعل هذا جعل ذلك مستساغا إذ يقال عادة : أمام نفسه .
« يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ » لأن الكفر بالقيامة هو الذي يُبَرِّر له التحلل من المسؤولية ، فهو في سعي حثيث وجدل دائم من أجل إنكارها ، وصناعة قناعة ولو داهية لنفسه وللآخرين بذلك ، فسؤاله ليس سؤال استهزاء وسخرية فقط ، بل هو سؤال تبرير وجدل أيضا . وإنها لصفة كل من يترك العمل بالحق ويخالف القيم ، إذ لا بد من تبرير لموقفه ، فكيف إذا كان فجورا ؟ ولصيغة السؤال هذه استبعاد وتسويف بالتوبة ، قال الزَّجَّاج : ويجوز أنه يريد أن يُسَوِّف التوبة ، وَيُقَدِّم الأعمال السيئة ، وقيل : معناه أنه يتعجل المعصية ثم يُسَوِّف التوبة ، ويقول : أعمل ثم أتوب ] « 2 » .
[ 13 - 7 ] ويبقى المكذب بالآخرة مسترسلا مع أهوائه وشهواته ، في فجور بعد فجور ، لأنه لا يحسب حسابا للقاء ربه ، ووقائع القيامة التي تطبع آثارها المذهلة والرهيبة عليه وعلى الطبيعة من حوله ، فهنالك لا يجد مفرًّا من حكومة الله وجزائه ، لأن الوضع يختلف في الآخرة عن الدنيا ، حيث تنتهي فرصة الامتحان والحرية . « فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ » قال في التبيان :
يقال برق البرق إذا لمع ، وأما برق بالكسر فمعناه تَحَيَّر ، وقال الزجاج : بَرَقَ إذا فزع ، وبَرِقَ إذا حار ]
« 3 » ، وفي المجمع للعلامة الطبرسي : قال أبو عبيدة :
بَرِقَ البصر : إذا
شق وانشد ]
، وقال قدس سره :
أي شَخَصَ البصر عند معاينة ملك الموت ، فلا يطرف من شدة الفزع ، وقيل : إذا فزع وتحيَّر من شدة أهوال القيامة ]
« 4 » ، وقال الرازي بعد أن نقل رأي الزجاج : والأصل فيه أن يُكثِر الإنسان من النظر إلى لمعان البرق ، فيؤثر ذلك في ناظره ، ثم يستعمل ذلك في كل حيرة ، وإن لم يكن هناك نظر إلى البرق ] « 5 » . وما أختاره أن بروق البصر يحمل معنى الحيرة والدهشة لحالة الذهول
هامش
( 1 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 319 .
( 2 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 502 .
( 3 ) التبيان : ج 10 ، ص 192 .
( 4 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 502 .
( 5 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 319 .