أساسية لالتزامه بالشرائع . من هنا القرآن يذكِّره بالحقائق الوجدانية المرة بعد الآخرة .
- 2 كما أن الإنسان لا يجد مفرًّا من حكومة الله يوم القيامة ولا تنفعه الأعذار ، فإنه حين يراجع ذاته ( ضميره وعقله ) يواجه الموقف نفسه ، حيث يعلم أن الأعذار التي يقدمها لا واقع لها ، فهي قد تخدع غيره ولكن لن تخدع وجدانه .
- 3 إن الأعذار التي يلقيها الإنسان أكثرها كاذبة ، يلجأ إليها لتبرير أخطائه وسلوكياته المنحرفة ، وهي لا تغيِّر من الواقع شيئا لا عند الله ولا عنده . وورود الكلمة بالجمع « مَعَاذِيرَهُ » فيه دلالة على أنه يتقن فن صناعة التبرير ، وأنه حينما يريد تبرير موقف أو عمل ما متصل به لا يكتفي بعذر واحد بل يختلق أعذارا كثيرة .
وهذه البصائر تنسف الثقافة التبريرية التي هي أهم أسباب التخلف والإجرام ، ذلك لأن الإنسان الذي خُلِق في أحسن تقويم ، وأُنشئت نفسه على فطرة الاستقامة ، ثم زُوِّد بالنفس اللوامة التي تراقب انحرافه بمقياس دقيق ، إنه لا يقفز - مرة واحدة - من قمة الحق إلى حضيض الباطل ، إنما يهبط إليه عبر سُلَّم التبرير وتقديم الأعذار ، فإذا بنفسه الأمارة بالسوء تُسَوِّل له الخطيئة ، تقول له مثلا : أنَّى لك النقاء الكامل ، أنت طَيِّب أكثر من اللازم ، ولا يمكنك أن تعيش من دون ظلم أحد ، كل الناس يظلمون بعضهم . . وهكذا يُقَدِّم الأعذار لانحرافه حتى يبتعد كليًّا عن طريق الحق ويتسافل إلى الحضيض .
وإذا عرف الإنسان الدور السلبي للأعذار وأنها غطاء رقيق لارتكاب الجرائم الخطيرة وأنها لا تعني شيئا ، فإن ذلك يساهم في استقامته على الحق .
قال الإمام الصادق عليه السلام :
مَا يَصْنَعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُظْهِرَ حَسَناً ويُسِرَّ سَيِّئاً أَلَيْسَ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ والله عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ :
« بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ »
، إِنَّ السَّرِيرَةَ إِذَا صَحَّتْ
قَوِيَتِ الْعَلَانِيَةُ ]
« 1 » ، وقال عليه السلام :
مَا يَصْنَعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَى النَّاسِ بِخِلَافِ مَا يَعْلَمُ اللهُ مِنْهُ ، إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله كَانَ يَقُولُ : مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وإِنْ شَرّاً فَشَرٌّ ]
« 2 » .
واختُلف في تاء « بَصِيرَةٌ » فقيل : إنها للتأنيث وتعود على الجوارح ، فكأن الآية تقول : إن جوارح الإنسان على نفسه بصيرة ، وقيل : هي للمبالغة فإن العرب تقول : فلانة علَّامة ، وفلان علَّامة . والذي يبدو لي إضافة إلى ذلك أنها راجعة إلى النفس ، فنفس الإنسان عليه بصيرة ، ولم
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 295 .
( 2 ) المصدر السابق : ص 296 .