وفي الآخرة لا يجد أحد مفرًّا ولا ملجأ من جزائه ، وعذاب ربه . بلى ، هناك مفر واحد فقط ينفع الإنسان ، وهو أن يفر إلى ربه الذي منه العذاب ، وإليه المصير ، ولا يكون ذلك فجأة ، إنما يحتاج الأمر إلى تمهيد في الدنيا قبل الآخرة « إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ » ، قال صاحب المجمع :
أي ينتهي الخلق يومئذ إلى حكمه وأمره ، وقيل « الْمُسْتَقَرُّ » : المكان الذي يستقر فيه المؤمن والكافر ، وذلك إلى الله لا العباد ]
« 1 » . والأصح إطلاق الكلمة كي تتسع إلى كل المعاني التي توحي بها هذه العبارة ، كالقرار ، والمصير ، والمقر ، والحكم ، والأمر . . إلخ ، وفي ذلك تنبيه للإنسان إلى أن الدنيا ليست محلًّا للخلود والاستقرار ، ولا محطة أخيرة ، فيجب أن يُكَيِّف نفسه مع هذه الحقيقة الهامة ، وليس معنى الآية أن المستقر دون ذلك اليوم ليس لله « فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى » [ النجم : 25 ] ، ولكن حكمته اقتضت أن تكون لنا الحرية في الدنيا ، ويومئذ يكشف لنا الغطاء بصورة أوضح وأجلى عن هيمنته وسلطانه المطلقين ، ونكتشف فيما نكتشف علمه وإحاطته التامَّين حينما يعرضنا للحساب والجزاء فنجد أنه أحصى كل صغيرة وكبيرة لنا وعلينا .
« يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ » ، في التبيان ومثله المجمع :
أي يُخبر الإنسان يوم القيامة بأول عمله وآخره فيجازى به ، وقيل : بما قدَّم من العمل في حياته ، وما سَنَّه فَعُمِلَ به بعد موته من خير أو شر ، وقيل : بما قدَّم من المعاصي ( على الطاعات ) وأخَّر من الطاعات ]
« 2 » ، ( على المعاصي ) . قال الإمام الباقر عليه السلام :
بِمَا قَدَّمَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَمَا أَخَّرَ مِمَّا سَنَّ مِنْ سُنَّةٍ لِيُسْتَنَّ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ فَإِنْ كَانَ شَرًّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِهِمْ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ وِزْرِهِمْ شَيْءٌ ، وَإِنْ كَانَ خَيْرًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أُجُوْرِهِمْ وَلا يُنْقَصُ مِنْ أُجُوْرِهِمْ شَيْءٌ ]
« 3 » . وحضور مشهد الحساب الأخروي في وعي الإنسان في الدنيا له دور كبير في بعثه على التقوى والطاعة ، وممارسة النقد الذاتي البناء . والله قادر أن يجازي الناس مباشرة بعد بعثهم ولا أحد يسأله عما يفعل ، ولكنه يأبى إلا أن يُجلي علمه وعدالته لخلقه .
( 15 - 14 ) والسياق مَهَّد السبيل للحديث عن البصيرة الأساسية التي تعتبر محورا هاما في السورة ، وهي وعي الإنسان بمسؤوليته عبر استثارة نفسه اللوامة ، التي تجعله عليها شاهدا ورقيبا مما يصلح مسيرته
ويوجهه إلى تحمل المسؤولية بتمام المعنى ، فلا يمارس الخطيئة لأنها تحتاج إلى التبريرات والأعذار ، وهي لا تنفع شيئا عند الله ولا عند محكمة نفسه « بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ » وهنا نهتدي إلى عده بصائر :
- 1 يهدف الإسلام عبر منهجه التربوي تنمية وازع الضمير عند الإنسان بوصفه ضمانة
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 502 .
( 2 ) المصدر السابق : ص 502 .
( 3 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 397 .