قال القمي :
عبس وجهه ، وبَسَرَ القى شدقه ]
« 1 » ، وعن قتادة قال :
قبض ما بين عينيه وكلح ]
« 2 » ، وفي فقه اللغة للثعالبي :
إذا زوي ما بين عيني الرجل فهو قاطب عابس ، فإذا كشَّر عن أنيابه مع العبوس فهو كالح ، فإذا زاد عبوسه فهو باسر مكفهر ]
« 3 » ، وذكر اللغويون الاستعجال واحدًا من معاني البسور ، يقال :
بَسَرَ الغريم أي تقاضاه قبل الأجل ، وبسر الدمل : عصره قبل نضجه ، وبسر الفحل الناقة قبل الضبعة أي قبل أن تطلب اللقاح ]
« 4 » ، فكأن الباسر في وجه أحد يستعجل به الأذى والشر ، وبذلك
قال الراغب في مفرداته « 5 » . وقد تُعَبِّر عن العبوس والبسور المفردات والتصرفات التي تصدر عن الإنسان بقلمه وفمه ومواقفه ، فالطاغوت قد يُعبِّر عن عبوسه وبسوره وجهه ، وقد تظهر في قمعه الجنوني للمعارضة بل ولعامة الناس ، وما يقصه القرآن الكريم عن الوليد بن المغيرة ليس إلا شاهدا على طبيعة الموقف الذي يتخذه المترفون في كل مكان وزمان ضد الدعوات الإصلاحية ، فإنهم باعتبارهم بؤرة الفساد في المجتمع أول المتضررين بهذا التغيير ، ولهذا يكونون طليعة المعارضة للحق .
« ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ » بلى ؛ إنه فكَّر في الموقف من الرسالة ، كان يريد الوصول إلى أفضل طريقة للمعارضة والتضليل . . بل وتبرير كفره أمام عقله وضميره ، ولكنه كلما أعمل فكره ونظره تجلَّت له الحقيقة وعاد بصره خاسئا وهو حسير ، وكان من المفروض أن يُقْبِل على الإيمان بالحق ، ويتواضع له عن مراتب النفور والاستكبار والاعتزاز بالإثم ، إلا أنه أصر على الكفر من لحظته الأولى فازداد إدبارا ، وحيث اختار موقف الكفر فكَّر مرة أخرى لتبرير موقفه من الحق المبين ، فما وجد تهمة أصلح - في نظره - من قذف الرسالة بالسحر .
« فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ » ولكلمة « يُؤْثَرُ » هنا معنيان ربما أرادهما السياق معا :
الأول : ينقل عن الآخرين ، وقد اتفق أكثر المفسرين عليه ، أي يؤثره عن غيره من القوى القادرة عليه كالسحرة والشياطين ، من قولهم :
أثرت الحديث أُثْرَةً وَأَثْرًا إذا حدثت به عن قوم في آثارهم ، ومنه قولهم : حديث مأثور عن فلان ]
. الثاني : تميل إليه النفوس وتفضِّله على غيره ، قال في المجمع : وقيل هو من الإيثار ، أي سحر تُؤْثِره النفوس ، وتختاره لحلاوته فيها ] « 6 » ، وبذلك سعى الطاغية للتقليل من شأن أمرين مهمين :
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 394 بتصرف .
( 2 ) الدر المنثور : ج 6 ص 283 .
( 3 ) فقه اللغة للثعالبي : ص 140 .
( 4 ) تفسير البصائر : ج 50 ، ص 280 .
( 5 ) مفردات غريب القرآن : مادة بسر .
( 6 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 492 .