ومعه ثمانية عشر ، أعينهم كالبرق الخاطف ، وأنيابهم كالصياصي ، يخرج لهب النار من أفواههم ، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة ، تَسَعُ كَفُّ أحدهم مثل ربيعة ومضر ، نُزعت منهم الرحمة ، يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم ]
« 1 » ، « عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ » وتحتمل الآية معاني عدة :
الأول : المعنى الظاهر وهو أن خزنة سقر هذه عدتهم ، وليس ذلك بالقليل إذا كانت صفتهم كما ذكر صاحب المجمع ، بل إنه تعالى قادر أن يجعل عليها واحدا يدير شؤونها ويعذب أهلها أشد أنواع العذاب .
الثاني : أن التسعة عشرة خَزَنَةُ وادي سقر فقط ، ولبقية أجزاء جهنم خزنة آخرون .
الثالث : أن العدد المذكور هم بمثابة القواد والمدراء ، وتحت إمرتهم مالا يدرك عددهم إلا الله من الملائكة ، وإلى هذا المعنى إشارة في قول الله : « وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ » [ المدثر : 31 ] ، والجهل بهذه الحقائق هو الذي دفع المشركين إلى الاستهزاء ، وكفرهم بالغيب . .
قال أبو جهل يوما : يا معشر قريش ! يزعم محمد أن جنود الله الذين يعذبونكم في النار تسعة عشر ، وأنتم أكثر الناس عددا ، أفيعجز مائة رجل منكم عن رجل منهم ؟ ! . . . وقال رجل من قريش يُدعى أبا الأشد : يا معشر قريش ! لا يهولنكم التسعة عشر ، أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة ، وبمنكبي الأيسر التسعة ، فأنزل الله :
« وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً » ] « 2 » .
« وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً » إن الله يمتحن عباده بما يشاء ، ومما يمتحنهم به أمرهم بالإيمان بالغيب ، وكلما كان الغيب أشد غموضا صَعُبَ الإيمان به ، وكان أرفع درجة في القرب من الله ، ولذلك جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام :
إِنَّا صُبُرٌ وشِيعَتُنَا أَصْبَرُ مِنَّا ،
قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ كَيْفَ صَارَ شِيعَتُكُمْ أَصْبَرَ مِنْكُمْ قَالَ :
لِأَنَّا نَصْبِرُ عَلَى مَا نَعْلَمُ وشِيعَتُنَا يَصْبِرُونَ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ ]
« 3 » ، ولقد جعل الله الإيمان بالغيب ركنا أساسيًّا في الشخصية الإيمانية ، ومن هذا المنطلق أخفى كثيرا من الحقائق كالموت والبرزخ والآخرة ، فأما الكفار والمشركون والذين في قلوبهم مرض فإن الغيب يزيدهم فتنة ونفورا ، ليس لأنه لا واقعية له ، فالآيات الهادية إليه كثيرة ، وإنما لأن الإيمان به درجة رفيعة من العلم والإيمان ، لا يصل إليها إلا عباد الله المتميزون المتقون « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة » [ البقرة : 3 ] ، وسبيل المؤمنين إلى اليقين بالغيب أمران :
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ص 492 .
( 2 ) أسباب النزول للسيوطي : ص 224 .
( 3 ) الكافي : ج 2 ، ص 93 .