سقر أسفل الجحيم ، نار فيها شجرة الزقوم ]
« 1 » ، وإنها من رهبتها وما تتميز به من الصفات لا يستطيع بشر أن يتصور مداها ويعي حقيقتها .
« وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ » وفي هذه الصيغة استثارة للإنسان نحو السعي إلى المعرفة ولو بصورة إجمالية ، والقرآن يبين بعض صفات سقر فيقول : « لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ » قيل : لا تبقيهم أحياء فهي تميتهم ، ولا تترك لأبدانهم أثرا فهي لا تذرهم ، أي أن لها أثرين : الأول على الروح ، والآخر على الجسم ، وقيل :
إن الكلمتين مترادفين في المعنى مختلفتين في الدرجة والأثر ]
، وذكرهما معا يفيد المبالغة والتأكيد ، وقال في
التبيان :
قيل : لا تبقي أحدا من أهلها إلا تناولته ، ولا تذره من العذاب ]
« 2 » ، وفي الميزان قال العلامة الطباطبائي :
لا تبقي شيئا ممن نالته إلا أحرقته ، ولا تدع أحدا ممن ألقي فيها إلا نالته ، بخلاف نار الدنيا التي ربما تركت بعض ما ألقي فيها ولم تحرقه ]
« 3 » ، وعن مجاهد قال :
لا تحيي ولا تميت ]
« 4 » ، واستدل صاحب الميزان على هذا الرأي بقوله تعالى : « الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ( 12 ) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى » [ الأعلى : 12 - 13 ] ، والأقرب عندي أن معنى « لا تُبْقِي » لا تدع أحدا من الناس الذين فيها باقيا بل تفنيهم جميعا ، ومعنى « وَلا تَذَرُ » أي لا تذر شيئا من أي واحد منهم ، فالأول يشمل كل من فيها ، والثاني يتسع لكل جزء ممن فيها ، وهو أعظم ، وهذه - فيما يبدو لي - صفة النار مع قطع النظر عن صفة جهنم التي يجدد الله فيها ما تحرقه النار ، فلا منافاة بينها وبين قوله سبحانه : « لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى » [ طه : 74 ] إذ الحديث عن النار هنا جاء بقدر فهمنا لها وحسب مقاييسنا . ولعل من المعاني : أن سقر من حيث شدة العذاب ونوعيته لا تبقي من يُلقى فيها ، ومن حيث المدة والملازمة فإنها لا تترك أهلها أبدا ، وهذا يهدينا إلى أن أهلها من الخالدين في العذاب ، فلا تترك سقر أهلها بل يبقون خالدين في العذاب ، لأن الاحتراق هناك ليس احتراقا عاديًّا وإنما هو احتراق يشبه الاحتراق الذري الذي لا ينتهي ، والله العالم .
وصفة أخرى لسقر هي تلويحها أهلها « لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ » في اللغة : ألاح فلانا : أهلكه ، فهي المُهْلِكة للبشر ، ويقال :
لوَّح فلانا بالعصا والسيف والسوط والنعل : علاه بها وضربه ]
، وقيل : المُعَطِّشة ، تقول العرب : إبل لوحى ، ورجل ملواح أي سريع العطش ، ويقال لمن ضربته الشمس وغيرت لونه لوَّحته تلويحا ، وكأن سقر من حرارتها تغيِّر جلود أهلها ووجوههم .
وحين يرد المجرمون وادي سقر يستقبلهم ملائكة غلاظ شداد . .
هم خزنتها مالك
هامش
( 1 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 283 .
( 2 ) التبيان : ج 10 ، ص 180 .
( 3 ) تفسير الميزان : ج 20 ، ص 88 .
( 4 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 283 .