صَعُودٌ وَإِنَّ في صَعُودٌ لَوَادِيًا يُقَالُ لَهُ سَقَرٌ وَإِنَّ لَفِي قَعْرِ سَقَرٍ لَجُبًّا يُقَالُ لَهُ هَبْهَبٌ كُلَّمَا كُشِفَ غِطاءُ ذَلِكَ الجُبُّ ضَجَّ أَهْلُ النَّارِ مِنْ حَرِّهِ وَذَلِكَ مَنَازِلُ الجَبَّارِيْنَ ]
« 1 » ، ويقال للألم الذي يصل إلى الرأس صعود لأنه يرتفع إليه ولأنه شديد أثره ، وربما تتسع الكلمة إلى معنى التزايد فإن العذاب الإلهي في تصاعد مستمر .
ويبين القرآن السبب الرئيسي الآخر الذي يؤدي بالإنسان إلى الشقاء والعذاب في الحياة وهو :
أولا : فقدانه بركة رسالات الله وآياته .
ثانياً : اتباعه المناهج البشرية الضالة ، واعتماده على فكره الضحل وتقديره الخاطئ .
« إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ » والتفكير هو تقليب وجوه الرأي ، والتقدير هو تحويل التفكير إلى خطة بعد الدراسة ، يقال : فَكَّر في الأمر وتَفَكَّرَ ، إذا نظر فيه وتدبر ، لما تفكر رتب في قلبه كلاما وهيأه ، وهو المراد من قوله : « وَقَدَّرَ » « 2 » ، وقال العلامة الطباطبائي : والتقدير عن تفكير نظم معاني وأوصاف في الذهن بالتقديم والتأخير ، والوضع والرفع لاستنتاج غرض مطلوب ، وقد كان الرجل يهوى أن يقول في أمر القرآن شيئا يبطل به دعوته ] « 3 » . ولقد توهم الوليد بتفكيره وتقديره أن تهمة السحر ستدحض الحق . . وليس الأمر كذلك « فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ » ، ولقد ذم الله تفكره لأنه فكر فكرا يحتال به للباطل ، لأنه لو فكر على وجه طلب الرشاد لم يكن مذموما بل كان ممدوحا ] « 4 » ، لأن التفكير والتخطيط بإعمال العقل على ضوء المعلومات والمعطيات أمر حسن بذاته ، وإنما جاءت رسالات الله وبعث الأنبياء لغرض إصلاح الناس وهدايتهم باستثارة العقول .
بلى ؛ إن العقل بذاته وسيلة خير وصلاح ، وهو يعمل لصالح الإنسان ، ولكن بشرط أن يكون خياره الأول صحيحا ، أما لو اختار الباطل ثم استثار عقله في هذه القناة فلن يجني من تفكيره وتقديره سوى الضلال والعذاب ، ويُسمَّى ذلك بالمكر وهي حيل الشيطان ، وهكذا الفكر ، وذلك أنه سلاح ذو حدين ، يكون تارة لصالح صاحبه وخير البشرية إذا كان قائما على أساس العقل ، ويكون أخرى أداة لدمارها ووسيلة لإشعال الحروب ، كما تفعل خبرات القوى الاستكبارية في هذا العصر . إن الإنسان قادر على نيل الحياة بالتفكير والتقدير إذا اختار مسبقا
هامش
( 1 ) المحاسن : ج 1 ، ص 123 .
( 2 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 200 .
( 3 ) تفسير الميزان : ج 20 ، ص 86 .
( 4 ) التبيان : ج 10 ، ص 177 .