( 4 - 3 ) وبعد أن أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ومن خلاله كل مؤمن بقيام الليل إلا قليلا بوصفه أعلى وأفضل نسبة للقيام ، يضعنا أمام ثلاثة خيارات أخرى : « نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ » وقد اختلف في الضمير المتصل بكلمة النصف هل هو عائد على الليل أو على القليل ، وبالتالي اختُلف نحويًّا في كون نصْفَهُ بدلا عن أيهما ؟ . فقال البعض ومن بينهم شيخ الطائفة :
نصفه بدل من الليل ، كقولك : ضرب زيدا رأسه ]
« 1 » ، وقيل :
إنه بدل من القليل ، فيكون بيانا للمستثنى ]
، ويؤيد هذا القول ما روي عن الصادق عليه السلام قال :
الْقَلِيلُ النِّصْفُ ، أَوِ انْقُصْ مِنَ الْقَلِيلِ قَلِيْلًا ، أَوْ زِدْ عَلَى الْقَلِيل قَلِيْلًا ]
« 2 » ، والأقرب - كما يبدو لي - أن الضمير في « نِصْفَهُ » عائد إلى الليل ، فيكون المعنى : قم كل الليل إلا قليلا ، أو نصفه ، أو أقل من النصف بالإنقاص منه قليلا ، أو أكثر من النصف بالزيادة عليه .
ونستطيع أن نقول : إن المقصود من الليل في قوله : « قُمْ اللَّيْلَ » هو الجنس ، وأن المستثنى بعضه ، فيكون المعنى : قم كل الليالي إلا قليلها وبعضها ، وهي - كما عبر صاحب المجمع -
ليالي العذر كالمرض وغلبة النوم وعلة العين ونحوها ) « 3 »
، ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام قال :
سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى :
« قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا » قَالَ :
أَمَرَهُ الله أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي لَا يُصَلِّي فِيهَا شَيْئاً ]
« 4 » لعذر من الأعذار .
والسؤال : لماذا أمر الله بالقيام على شبه من التردد بين أربعة خيارات دون تحديد ؟ لعله للأسباب التالية :
1 - لأن الفرض المحدد أمر مستحيل في بعض الظروف حتى بالنسبة إلى الرسول والمعصومين الذين يجب عليهم قيام الليل وجوبا شرعيًّا عينيًّا ، ذلك أن الإنسان من الزاوية الواقعية عرضة للظروف المتغيرة التي لا يمكنه مقاومتها ، كالمرض والحرب والظروف الأمنية ، قال علي بن أبي طالب :
خَيَّر الله نَبِيَّهُ صلى الله عليه وآله في هَذِهِ السَّاعَاتِ القِيَامَ بالليْلِ ، وَجَعَلَهُ مَوْكُولًا إِلَى رَأْيِهِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وَطَائِفةٌ مِن المُؤْمِنِينَ مَعَهُ يَقُومُونَ عَلَى هَذِهِ المَقَادِيرِ ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِم ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُم لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ، وَكَمْ بَقِيَ مِنَ الليْلِ ، فَكَانَ
يَقُومُ الليْلَ كُلَّهُ مَخَافَةَ ألَّا يَحْفَظَ القَدْرَ الوَاجِبَ حَتَّى خَفَّفَ الله عَنْهُم بِآخِرِ السُّوْرَةِ ]
« 5 » الذي يشير القرآن فيه إشارة واضحة لواحد من أسباب تعدد الخيارات .
هامش
( 1 ) التبيان : ج 10 ، ص 162 .
( 2 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 478 .
( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 578 .
( 4 ) وسائل الشيعة : ج 8 ، ص 148 .
( 5 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 378 .