وكذلك لا يليق بمقامه صلى الله عليه وآله ما روي في الدر المنثور من أنه تأثر بإعلام الجاهليين سلبيًّا فتزمل وتدثر في ثيابه ! أما ما قيل من أن النبي صلى الله عليه وآله كان يتزمل خوفا أو ذهب إلى خديجة قائلا :
زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي . . . دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي ]
أول ما اتصل بالله عبر أمينه جبرائيل حتى أنس به . . هذا الرأي الذي تبناه بعض المفسرين ، فإنه أبعد ما يكون عن طبيعة الأنبياء عليهم السلام وشخصية سيدهم الأعظم صلى الله عليه وآله . والسبب أن فيه شيئا من نسبة الشك في صحة الرسالة والاتصال بالله عنده صلى الله عليه وآله ، وهذا نقيض قول الله عنه : « وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ ( 23 ) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ( 24 ) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ » [ التكوير : 23 - 25 ] .
والذي يبدو لي أن كلمة « الْمُزَّمِّلُ » تحتمل معنيين :
الأول : ما أشار إليه عكرمة بأنه المُتَحَمِّل لأعباء النبوة ، فإن المتصدي لأمر الرسالة ومسؤولية التغيير بها أحوج ما يكون إلى قيام الليل ، يستمد منه روح الإيمان وإرادة الاستقامة على الصراط الملئ بالمصاعب والتحديات . جاء في اللغة :
زَمَلَ الشيءَ زَمْلًا : حمله ، ازدمل الحمل : حملة بمرة واحدة ، الزَّمْلُ : الحمل ]
« 1 » .
الثاني : الذي لَفَّ عليه ثيابه أو غطاءه على وجه الوصف لحال النبي حين نزل الوحي عليه بهذه الآيات ، وهو ظاهر اللفظ وفي الخطاب بهذه الكلمة فائدتان :
ألف : تَلَطُّف وتَعَطُّف ودلالة على قرب الرسول من ربه حتى يخاطبه بمثل هذا التعبير الذي يجري بين الأحبة ، كالتلطف في سؤال موسى عليه السلام « وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى » [ طه : 17 ] .
باء : التوسع إلى كل من يتزمل للنوم ، فإن الحديث يشمله انطلاقا من قاعدة : ( إياك أعني واسمعي يا جارة ) التي نزلت بها آيات الذكر الحكيم .
على أن المعنى الأول هو الآخر يتسع لكل من تحمل أعباء الدعوة إلى الله ، وليس في هذا التعبير أدنى مساس بعظمة الرسول صلى الله عليه وآله - كما زعم البعض - فإنه بشر مثلنا يحتاج إلى الراحة والنوم . ولعل
الرسول كان ينام أول الليل ليقوم في منتصفه وآخره ، موصلا قيامه بالليل بصلاة الصبح كما نقل عنه ، ويقوي هذا الاحتمال اللغة حيث جاء فيها :
زمل الشيء بثوبه أو فيه : لفة ]
« 2 » .
[ 2 ] وحيث ينتفض كل مزمل على نداء الوحي الإلهي المتوجه إليه يجد نفسه أمام أمر هام .
هامش
( 1 ) المنجد : مادة زمل .
( 2 ) المنجد : مادة زمل .