لم يتهيأ له ذلك إلا بِحِمْلٍ شديد على النفس ، ومجاهدة الشيطان ، فهو أمر يثقل على العبد ]
« 1 » ، وذهب البعض إلى تفسير مادي لمعنى الثقيل مستدلا بمرويات غير محققة كقول عائشة :
إنه كان ليوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على راحلته فتضرب بجرانها ]
« 2 » ( أي تضرب بمقدم عنقها إلى مذبحها الأرض ) وفي رواية :
كانت تبرك الدابة على الأرض من ثقل الوحي ]
. وأخرى :
ولقد رأيته ينزل في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه لَيَرْفَضُّ عرقا ]
« 3 » .
والذي أختاره : أن الثقل هو الثقل المعنوي قبل أن يكون الثقل المادي ، وإذا صحت الروايات المتقدمة حول ما يتركه نزول الوحي من أثر مادي على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى دابته من باب « لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ » [ الحشر : 20 ] فإنهامظاهر ودلالات على الآثار والحقائق المعنوية ليس إلا . ولا ريب أن القرآن قول ثقيل باعتباره يحمل الإنسان مسؤوليات عظيمة كمسؤولية الاستقلال والتغيير والتزكية وتحدي الباطل ، ولذلك فالإنسان بحاجة إلى قيام الليل ليسمو إلى احتماله ، وهكذا تجد السياق يبين الصلة بين ثقل القرآن وبين قيام الليل ، فيبين أن الصلاة والتهجد والحالة النفسية المنبعثة منها إذا نشأ كل ذلك بالليل كان أفضل منه إذا نشأ بالنهار .
« إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ » والناشئة في اللغة من نشأ الليل أي أحدثه ، والله : خلقه ، والحديث أو الكلام : وضعه وابتدأه ، وسُمِّيت ساعات أول الليل ناشئة لابتداء الليل بها ، وعندنا : ما ينشأ بالليل من عبادة روحانية أو بصيرة عقلانية أو حكمة ربانية . أما المفسرون فذهبوا إلى قولين :
الأول : أنها ركعتان بعد صلاة المغرب ( لعلها الغفيلة ، وقيل غير ذلك ) « 4 » .
الثاني : أنها قيام الليل ، ففي مجمع البيان عن الباقر والصادق عليهما السلام :
هِيَ الْقِيَامُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى صَلَاةِ اللَّيْل
] « 5 » ، وهو الأقرب إلى سياق السورة كما سبق .
« هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً » وشدة الوطء بمعنى ثبات القدم الذي يعكسه ثقل الوطأة وشدتها ، فالوطأة الشديدة على الأرض أثبت للقدم ، قال قتادة :
أثبت في الخير ]
« 6 » ، وقال الفَرَّاء :
أشد
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن القرطبي : ج 19 ، ص 38 .
( 2 ) تفسير نور الثقلين : ج 5 ، ص 447 .
( 3 ) المصدر السابق : ص 447 .
( 4 ) المصدر السابق : ص 448 .
( 5 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 379
( 6 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 278 .