( 53 ) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ( 54 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ( 55 ) هَذَا نَذِيرٌ مِنْ النُّذُرِ الأُولَى ( 56 ) أَزِفَتْ الآزِفَةُ « 1 » ( 57 ) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ( 58 ) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ( 59 ) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ( 60 ) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ « 2 » ( 61 ) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ( 62 ) .
هدى من الآيات :
بصراحة الحقيقة ، وبقوة اليقين ، يتقدم بنا السياق القرآني شيئا فشيئا إلى الفكرة المركزية في هذه السورة ، وهي فكرة المسؤولية التي نجدها في تضاعيف أغلب آياتها وكأنها خافية ؛ لكل فكرة فيها وشاهد ، إلا أنها تتجلى كصراحة الشمس عند قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ( الآية : 39 ) .
ولكن الله قبل أن يقذف بهذا الحق على باطل التبرير واتِّباع الهوى والظن ، يذكِّرنا بلون من ألوان الشفاعة المقبولة عنده وهي شفاعة الأعمال الحسنة للإنسان عن اللمم من السيئات كما نجد تصريحا به في الآية الكريمة : وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [ هود : 114 ] ، إن تقوى الإنسان التي تجنِّبه كبائر الإثم تشفع له في الصغائر ( اللمم ) ، ولعل تقديم هذه الفكرة ( الشفاعة ) المشحونة بالرجاء واللطف الإلهي ، على فكرة المسؤولية وما فيها من الشدة والصرامة ، يهدف إعطاءنا الأمل في رحمة الله ، لكيلا نيأس فنتوغل في الجريمة والذنب ، أو نقعد من عمل الصالحات ، بناء على تصوراتنا البشرية المرتكزة في القنوط والجزع . كلا إن الله رحيم ويحاسبنا بفضله لا بعدله ، وإلا لما دخل الجنة أحد كما قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله :
« وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ »
« 3 » .
ثم يؤكد القرآن بخطاب فصل مسؤولية الإنسان عن سعيه ، أنه يُجازى عليه إن خيرا فخير وإن شرًّا فشر ، وهي تتعلق بنفي الشرك وبرفض الأنداد ومدى عمق حقيقة التوحيد في النفس فكلما زاد يقين الإنسان بالله وأنه المالك الحاكم الأحد لكل شيء ، كان أقرب من المسؤولية إيمانا وعملا ، وأبعد عن الحجب والتبريرات التي تمنعه من حملها .
إن التوحيد يجعله لا يتوسل بوشائج الشرك ، التي هي بذاتها نوع من التبريرات التي
هامش
( 1 ) أزفت الآزفة : أي قربت القيامة ودنت .
( 2 ) سامدون : لاهون ، والسمود اللهو ، والسامد اللاهي .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 7 ، ص 11 .