عقولهم في سجن الدنيا ، وهذه من معضلات الإنسان أنه يصنع لنفسه سقفا من العلم ، ويُكِّبل عقله بأغلال الهوى وإصر الشهوات عن الانطلاق في رحاب العلم والحق ، وصدق الإمام علي عليه السلام حيث قال :
« وكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرٍ »
« 1 » .
ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وهذه الآية تؤكد أن الإيمان بالآخرة حجر الزاوية في تفكير الإنسان المؤمن . ولكي يتم إعراض المؤمن عن الجاهلين يحتاج إلى أمور أهمها :
1 - العلم بأنهم على باطل ، وقد بيَّن القرآن ذلك حينما أكد أنهم لا يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ، ثم ضرب أمثلة على ذلك كموقفهم من الملائكة ، وكفرهم بالآخرة ، وتوليهم عن الذكر .
2 - اليقين بأنهم ضعفاء في المحصلة النهائية بخسرانهم الآخرة .
3 - المعرفة بأن حساب الناس ليس من مسؤوليات المؤمنين ، إنما الله يفصل بينهم ، ويعلم المهتدين والضالين .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى إذن فغلبة الضالين على المؤمنين عند الجدال أو عدم غلبة المؤمنين عليهم لا يغيِّر من الواقع شيئاً ، فأهل الباطل هم أهل الباطل وأهل الحق هم أهله ، ذلك أن كلام الناس ليس مقياسا ، إنما الحق والباطل هما المقياس بذاتهما .
ثم إن الخلافات - حسبما نستوحي من الآية الكريمة - لا تحسم في الدنيا لأنها لم تخلق لذلك ، وكما قال الله : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [ هود : 118 ] ، والدار الآخرة هي محل الحسم والجزاء ، فلا ينبغي للمؤمن أن يكون جبارا على الناس يحاول إكراههم على الهدى إن أوتي السلطة عليهم ، كما لا ينبغي عند ضعفه أن يهلك نفسه إذا ما تولوَّا عن دعوته .
كما نستوحي من كلمة عَنْ سَبِيلِهِ في الآية أن في الحياة سننا وقوانين ، وهي السبيل إلى الحق ، وهذه يعلمها الله ويحاسب عليها ، يضل عنها جماعة فيصيرون إلى الباطل والعذاب ، ويهتدي إليها آخرون يصيرون إلى الحق والسعادة ، والسبب أن الفريق الأول ينكر هذه الحقيقة ، في حين يؤمن بها فريق المهتدين فيبحثون عنها ، فإذا وجدوها طبَّقوها ، وكيَّفوا حياتهم وفقها ، وتجاوزوا الأخطاء والضلال .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : حكمة : 211 .