الإيمان ، وفي الآية تحريض إلى كل مؤمن بأن يُنمِّي إيمانه ليصل به إلى درجة التقوى لأن الإنسان بحاجة إلى درجة رفيعة من الإيمان ليواجه بها الضغوط والتحديات الشيطانية ، فحتى المؤمن قد ينحرف عن الصراط المستقيم خشية الطاغوت أو الآباء أو المجتمع ، ويمكن القول بأن التقوى هي : التحصن دون أسباب عذابه وسخطه ، أو الحرمان من رحمته ، والتعرض لعقابه ، مما تتسع الكلمة للعمل بالواجب والمندوب وترك المحرم والمكروه .
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ بلى ؛ إن الشيطان وهوى النفس يدعوان الإنسان إلى المزيد من التركيز في حاضر الدنيا ، والاسترسال في لذات العيش من دون حدود أو قيود ، وعلى المؤمنين أن يقاوموا ذلك بالتفكير في مستقبل الآخرة الذي يرتكز على سعيهم في الدنيا ، وما على الإنسان الذي يريد أن يعرف مستقبله إلا مراجعة حساباته ، والنظر في أعماله ، وضرورة هذه المحاسبة تنطلق من أننا نستطيع التغيير والاستزادة ما دمنا نعيش فرصة الحياة الدنيا ، أما بعد الموت فلا تجدينا التوبة شيئا . وما أحوج الإنسان إلى النقد الذاتي البنَّاء للمستقبل ، فإنه في عرصة القيامة حيث المحاسبات الحاسمة يحتاج إلى أقل من مثقال الذرة من أعمال الخير ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
« تَصَدَّقُوا ولَوْ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ولَوْ بِبَعْضِ صَاعٍ ولَوْ بِقَبْضَةٍ ولَوْ بِبَعْضِ قَبْضَةٍ ولَوْ بِتَمْرَةٍ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ لَيِّنَةٍ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَاقٍ اللهَ فَقَائِلٌ لَهُ : أَلَمْ أَفْعَلْ بِكَ أَلَمْ أَجْعَلْكَ سَمِيعاً بَصِيراً ؟ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالًا ووَلَداً ؟ فَيَقُولُ : بَلَى ، فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى : فَانْظُرْ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ ، قَالَ : فَيَنْظُرُ قُدَّامَهُ وخَلْفَهُ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَجِدُ شَيْئاً يَقِي بِهِ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ »
« 1 » .
وكما يجب على الإنسان النظر إلى ما يقدمه إلى مستقبله الأخروي ، فإنه مسؤول عن النظر إلى ما يقدمه لمستقبله الدنيوي أيضا ( مفردا أو جماعة أو جيلا ) ومن الخطأ أن يعيش لحظته الراهنة بمعزل عن المستقبل وأخطاره ، لأن هذه اللحظة جزء من المستقبل ، ولأنه والجيل الحاضر رقم في مسيرة الآتين شاء ذلك أم أبى .
ولكيلا يُقيِّم البشر ما يقدمه للمستقبل من بُعْد الكم وحسب ، يدعونا القرآن لتركيز التقوى التي تأتي من الإحساس بالرقابة الإلهية ، فإن الذي يشعر بمعاينة الخالق له ، وخبرته بسعيه لا شك سوف لن يكتفي بالكم بل سيجتهد بإحراز النوع المرضي عنده عز وجل ، وذلك بالإخلاص في النية والإتقان في العمل وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ولك أن تتصور فاعلية الإنسان وسعيه ( كمًّا ونوعاً ) وهو يتحرك بشعور الحضور تحت رقابة رب العمل والحساب والجزاء . إنه سيجتهد حقاً لإحراز مرضاته ، وبلوغ ثوابه ، وتجنب غضبه .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 4 ، ص 4 .