المؤمنين من صفة الإيثار ، وتفريقهم ، ثم جر بعضهم إلى حزبهم ، لذلك يدعو الوحي في هذا الدرس إلى تقوى الله ، والتفكير في مستقبل الآخرة ، والإحساس بهيمنة الله عبر ذكره الدائم مما يحفظ الإنسان عن الانحراف ، ويُحصِّنه ضد الشيطان .
وتشير الآيات باختصار إلى الفرق الكبير بين أهل الجنة وأصحاب النار ، ثم يثني السياق على عظمة القرآن وفاعليته في التأثير باعتباره النهج الذي يربط المخلوق بربه ويذكِّره به ، فهو لو أُنزل على جبل لخضع وتصدع من خشية ربه ، ولك أن تعلم كم ينبغي أن يكون قلب الإنسان قاسيا إذا لم يتأثر بآياته الحكيمة . ولكن هذا الكنز الإلهي العظيم لا يكتشفه الإنسان إلا إذا استثار عقله للتفكر في آياته ، والتدبر في أمثاله وقصصه .
ويكتسب القرآن عظمته الكبرى من كونه كلام الخالق ، والتجلي الأعظم له إلى خلقه ، وهذه الحقيقة هي التي تكشف لنا العلاقة بين الكلام عن عظمة القرآن في ( الآية : 21 ) والحديث عن صفات الله في ( الآيات : 22 - 24 ) ، فإن عظمة القرآن من عظمة خالقه المتجلية في أسمائه وصفاته . ولن تتحقق خشية الله لأحد إلا إذا سما إلى آفاق المعرفة به سبحانه ، وذلك بالتعرف على أسمائه الحسنى التي تتجلى في كتابه وفي خلقه ، ولذلك يختتم الله سورة الحشر بذكر مجموعة منها لكي يتعرف إلينا ونعرفه كما يريد .
بينات من الآيات :
[ 18 ] يتميز المؤمنون من غيرهم بخصال ثلاث هي :
1 - تقوى الله التي تسوقهم إلى الطاعة وتحجزهم عن المعصية ، وهي روح الإيمان .
2 - الإيمان بالآخرة داراً للبقاء ، والسعي الجاد والمستمر من أجل إعمارها باعتبارها دار مقر الإنسان ، فلا يصدهم عن الاستعداد لها والتزود إليها شخص ولا شيء .
3 - الإحساس العميق برقابة الله على أعمالهم ، وهذا ما يُنمِّي فيهم روح التقوى والإتقان .
ويسعى الشيطان ( إنسيًّا كان أو جنيًّا ) إلى مسخ شخصيتهم بسلبهم هذه الصفات الفاضلة ، وجرهم إلى الفسق بأساليبه الخفية كالوساوس ، والظاهرة كالدعاية المضللة ، لذلك يوجِّه الوحي نداءه إلى المؤمنين بلطفه وعظيم منته ، لكي يظهر هذا النداء الرباني على ما يُلقي الشيطان من نداءاته الخبيثة في القلب ، ووساوسه الداعية إلى التمرد والعصيان ، وإلى نسيان الآخرة فيقول عز من قائل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ والتقوى درجة أرفع من
من هدى القرآن — صفحة 394
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٩٤