الله سبحانه عليه ، نتساءل : ما هو المقياس الحق للإيمان الصادق ، وللانتماء الصحيح إلى تجمع المؤمنين ؟ .
يزعم الكثير أنه يتلخص في الممارسات القشرية للدين ، ولأنه يصلي ويصوم ويحج يحسب أنه من أولياء الله ، ومن حزبه المفلحين . وينبغي لنا أن نرجع إلى القرآن الحكيم الذي هو الفرقان والميزان في كل قضية ، ونتخذ المقاييس من آياته ، وإنه ليؤكد في هذا الدرس وفي الكثير من الآيات والمواضيع أن أهم وأبرز محتوى ومقياس للإيمان وللانتماء الحقيقي للمؤمنين هو التولي الصادق والعملي لحزب المؤمنين وقيادتهم الرسالية ، أما أولئك الذين يَدَّعون الإيمان في الظاهر ولكنهم يحتفظون بوشائج حميمة نفسية وسياسية مع حزب الشيطان ( أعداء الرسالة من الكفار والمشركين والمنافقين ) فإنهم وإن حلفوا بالأيمان المغلظة ، وتكلفوا إظهار صدق الإيمان والانتماء والولاء ، ليسوا إلا من حزب الشيطان ، وسوف يعذبهم الله ، دون أن يستطيعوا التهرب من عذابه بوسيلة ، ولا خداعه بيمين وحلف ، لأنه الشاهد على كل شيء والعليم الخبير به ، وهو يعلم بواقعهم الذي ينطوي على الولاء لأعداء الله والرسالة ، وأعداء المؤمنين والقيادة الرسالية ، بحثا عن العزة والشرف ، فكيف يكون هؤلاء من المؤمنين الصادقين وهم يحادون الله ورسوله بهذا العمل القذر ، ويتخلفون عن حدوده وأحكامه ؟ أم كيف ينالون عزة وليست إلا لله ولرسوله وللمؤمنين ؟ كلا . . إنهم ليسوا من المؤمنين ، ولن يصيروا إلا إلى ذل بعد ذل .
بلى ؛ إن هؤلاء المنافقين ذوي الشخصيات المزدوجة كانوا يبحثون عن المناصب والرفعة باعتبارهم الأكثر مالا ، وأتباعا ، ولما في نفوسهم من المرض ، وليس لأنهم الأكفاء ، فراحوا يطلبون العزة ، ويسعون لهذه المطامع من خلال التعاون مع أعداء الأمة الإسلامية ، وبيع أنفسهم عمالة لهم ، لعلهم ينتصرون جميعا على الرسول ، ويطفئون شعلة الرسالة ، فتتحقق مطامعهم ، وينالون أغراضهم المشؤومة ، وقد غاب عن هؤلاء أن الله صاغ الوجود على أساس انتصار الحق ، وكتب ذلك في سننه ، وحتم تنفيذه بقوته ، وأراد لنفسه ولحزبه العزة ، ولأعدائه الهزيمة والذل .
وختاماً للسورة ولهذا السياق يحدد الله أهم المواصفات للمؤمنين الحقيقيين ، الذين هم حزبه المفلحون ، وأهمها بعد الإيمان بالله واليوم الآخر التبري من أعداء الله ورسوله ورسالته ، لا يميزون في ذلك بين أحد وأحد ، إنما يعدون من أجل توليهم وانتمائهم كل عدو لله ورسوله ورسالته عدوًّا لهم وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ، مما يدل على تجذر الإيمان في قلوبهم ، وإخلاصهم للحق ، وتأييد الله لهم بروح منه ، لأنهم أولياؤه بحق وصدق أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ الذين يستحقون تأييده وجناته ورضوانه ، وذلك هو الفلاح .
من هدى القرآن — صفحة 344
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٤