تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
وعادة لم يكونوا يقولون له ما ينفع أو ما يقتضي السرية ، وربما كانوا يستغلون أوقات الرسول الثمينة بتوافه الأمور ، لذلك أمر الله المسلمين بإعطاء الصدقة قبل التناجي . ولكن لماذا فرضت الصدقة بالذات ؟ لعله للحِكَم التالية : 1 - لأن وقت الرسول للأمة كلها وعلى من يستغله أن يدفع ضريبة لصالح المجتمع ، فإن الصدقة لا ريب سوف لا يستهلكها النبي وهي عليه حرام ، إنما سيوظفها من أجل رفع الحرمان ، وإصلاح شؤون المسلمين . 2 - ولأن المتناجين مع النبي كان أكثرهم من طبقة الأغنياء ، فلكيلا يشعر الفقراء بالغبن فرض الله على الأغنياء صدقة لصالحهم . 3 - ثم إنها كانت إشارة لأولئك الذين يزاحمون النبي بالتناجي في أمور لا تجدي نفعا ، أو من أجل التفاخر ، بأن الأمر ليس مَرْضِيًّا ولا طبيعيًّا عند الله ولدى رسوله صلى الله عليه وآله ، وبالفعل أدرك الكثير هذه الحقيقة ، واستطاع القرآن علاج تلك الظاهرة في مواردها السلبية . 4 - ولأن البعض اتخذ التناجي مع النبي أمام المسلمين للتفاخر عليهم والتظاهر عندهم بالشخصية الهامة المقربة ، وهذا أمر سلبي جاءت الصدقة علاجا وتطهيرا للنفوس من هذه الخلفيات السيئة . ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ولم يغفل الله وهو الحكيم طبقة الفقراء الذين لا يطيقون دفع الصدقة ، لذلك أعذرهم وسمح لهم بالتناجي مع النبي ، فقال يخاطبهم : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وفي هذه الآية إشارة إلى أن المعني بتقديم الصدقة كان طبقة الأغنياء ، لأنهم يستطيعون دفعها ، وقد رأيناهم كيف كَفُّوا عن التناجي ، فتبيَّت للمسلمين طبيعتهم وطبيعة أحاديثهم التي يزاحمون بها النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين أيضا . وبقي الإمام علي عليه السلام مستمرا في تناجيه مع رسول الله صلى الله عليه وآله لأهمية ما يتباحثه معه ، ولعلمه بسلامة ما يقوم به ، وإن التناجي مع النبي يستحق أن يقدم له المؤمن أكثر من ذلك ، ولم يكن ثريًّا ، بل لم يكن يملك يومئذ إلا دينارا واحدا لهذا الشأن ، قيل إنه اقترضه من أحد المسلمين ، فصرفه عشرة دراهم ، قدمها كلها بين يدي عشر نجوات مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، حتى قال عمر بن الخطاب : [ كان لعلي ثلاث لو كان لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم : تزويجه فاطمة ، وإعطاؤه الراية يوم خيبر ، وآية النجوى ] « 1 » ، وقال الإمام علي عليه السلام : « إِنَّ لفِي
هامش
( 1 ) تفسير روح البيان : ج 9 ، ص 306 ، المناقب : ج 2 ص 73 .