تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
كِتَابِ الله آيَةً مَا عَمِلَ بِهَا أَحَدٌ قَبْلي وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي ، آيَةَ النَّجْوَى ، كَانَ لِي دِينَارٌ فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَجَعَلْتُ أُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ نَجْوَةٍ أُنَاجِيهَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله دِرْهَماً ، قَالَ : فَنَسَخَهَا في قَوْلِهِ : ءأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ إلى قَوْلِهِ : وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ] « 1 » . [ 13 ] وحيث تفهَّم المعنيون خلفيات الحكم الإلهي بالصدقة قبل النجوى ، وبالذات أولئك الذين يكثرون من التناجي مع النبي صلى الله عليه وآله ، والذين امتنعوا الآن عن ذلك بخلا ، ولو كانت أحاديثهم التي يُسرون بها إليه صلى الله عليه وآله ذات أهمية لما رجَّحوا الكف عنها وهم الأغنياء خشية تقديم الصدقات ، نسخ الله برحمته ومنه حكم الضريبة ، مما دل على أنه وضع لعلاج ظاهرة التناجي السلبي . ووجه القرآن عتابه للذين امتنعوا عن التناجي ذلك إشفاقا من تقديم الصدقة ، أو تناجوا ولم يقدموا صدقة كما أمرهم الله ، أو للذين لم يطيقوا ذلك بسبب الفقر وقلة المال : ءأَشْفَقْتُمْ قالوا : الإشفاق الخوف من المكروه ، فيكون معناه : هل شق عليكم إعطاء الصدقة قبل التناجي مع الرسول صلى الله عليه وآله ؟ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ولم يقل صدقة مما يدل على وجود فريق من المسلمين يكثرون التناجي مع النبي مما يستلزم الصدقات الكثيرة . وحيث إنه تعالى لا يعارض التناجي ذاته ، لعلمه بضرورته وحقانيته من قبل المخلصين ، وفي بعض موارده ، رحم الذين لا يجدون ، وتاب على الذين أشفقوا . فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مما يدل على تقصير لدى المعنيين بهذه الآية الكريمة . ومن مصاديق الرحمة هناك والتوبة هنا نسخ فريضة الصدقة عند النجوى ، وبالتالي إرجاع المسلمين إلى واجباتهم الأولية ، وأهمها الصلاة بوصفها رمزاً للجانب العبادي والروحي عند الإنسان المؤمن ، والزكاة بوصفها رمزاً لتعبده الاقتصادي الاجتماعي ، والطاعة لله وللرسول بوصفها رمزاً للالتزام السياسي في الحياة . فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ بتمام المعنى ، إذ لا يقوم إلا الصحيح ، وإقامة الصلاة فيما يعني انعكاسها على السلوك والالتزام بقيمها في سائر أبعاد الحياة . وَآتُوا الزَّكَاةَ تكافلا مع المعوزين ، ودعما لاقتصاد المجتمع ، وبالتالي تطهيرا للمجتمع من الآثار السلبية للعوز والحاجة ، وتزكية للنفس من أعقد مشاكلها وهي الشح . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ولعل في هذه الآية بدائل للمضامين السيئة في النجوى الحرام ، فبإقامة الصلاة يتطهر الإنسان من الإثم ، والزكاة ( العلاقة الإيجابية مع المجتمع ) بديل للعدوان عليه ، والطاعة بديل لمعصية الرسول ، فهناك نهي عن تلك ، وهنا دعوة لنقائضها ، كما أن الآية تفسير عملي لمعنى البر والتقوى وتقوى الله الواردة في الآية . وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ فإن التزم بالأمر الإلهي أثابه وجزاه خيرا في الدنيا والآخرة ، وإلا عاقبه وعذبه .
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 357 .
من هدى القرآن — صفحة 342 | السيد محمد تقي المدرسي