تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
[ 35 ] ومن الفوارق بين الدنيا والجنة ، أن الإنسان مهما بلغ من التمكن والقدرة في الدنيا لا يصل إلى كل أهدافه وأمانيه ، بل يقصر عن تحقيق الكثير منها ، على عكس ما في الجنة التي يتحقق له فيها ما يريد بمجرد أن ينوي ذلك ، بل يزيده الله من فضله ساعة بعد ساعة لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ، قال الإمام الصادق عليه السلام : إِنَّ لِله كَرَامَةً فِي عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ بَعَثَ اللهُ إِلَى المُؤْمِنِ مَلَكاً مَعَهُ حُلَّةٌ فَيَنْتَهِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ اسْتَأْذِنُوا لِي عَلَى فُلَانٍ فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا رَسُولُ رَبِّكَ عَلَى البَابِ فَيَقُولُ لِأَزْوَاجِهِ أَيَّ شَيْءٍ تَرَيْنَ عَلَيَّ أَحْسَنَ فَيَقُلْنَ : يَا سَيِّدَنَا وَالَّذِي أَبَاحَكَ الجَنَّةَ مَا رَأَيْنَا عَلَيْكَ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْ هَذَا بَعَثَ إِلَيْكَ رَبُّكَ فَيَتَّزِرُ بِوَاحِدَةٍ وَيَتَعَطَّفُ بِالأُخْرَى فَلَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلَّا أَضَاءَ لَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى المَوْعِدِ فَإِذَا اجْتَمَعُوا تَجَلَّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : فَإِذَا نَظَرُوا إِلَيْهِ خَرُّوا سُجَّداً ، فَيَقُولُ عِبَادِي ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ لَيْسَ هَذَا يَوْمَ سُجُودٍ وَلَا يَوْمَ عِبَادَةٍ ، قَدْ رَفَعْتُ عَنْكُمُ المَؤُونَةَ ، فَيَقُولُونَ : يَارَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِمَّا أَعْطَيْتَنَا ، أَعْطَيْتَنَا الجَنَّةَ . فَيَقُولُ : لَكُمْ مِثْلُ مَا فِي أَيْدِيكُمْ سَبْعِينَ ضِعْفاً . فَيَرْجِعُ المُؤْمِنُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بِسَبْعِينَ ضِعْفاً مِثْلَ مَا فِي يَدَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ « 1 » . [ 36 ] ثم إن القرآن وضمن علاجه للكفر بقدرة الله على البعث ، يدعو الكفار إلى التفكر في آثار قدرته وهيمنته على الحياة من خلال قراءة التاريخ البشري الملئ بالشواهد على ذلك ، ليعلموا أن الحياة ليست عبثا ، بل تسير وفق حكمة مقدرة ، فالأقوام السابقة إنماأهلكوا لتكذيبهم بالحق . وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً وهذه سنة جارية في الحياة لا يعطلها شيء ، ولا يمنعها البشر مهما أوتوا من قدرة ، ولفظة أهلكنا مضافة إلى كلمة وَكَمْ التي تفيد الاستفهام عن العدد ، تنطويان على تأكيد بأن ما حدث في التاريخ ليس مفردة جرت من باب الصدفة ، وإنما هي ظاهرة مستمرة تدل على سنة حاكمة تلتقي فيها تلك الشواهد ، ويتضح فيها الفعل الإلهي المقصود . ثم إن بعض الأقوام وصلوا من القوة أكثر مما صار اليه المجتمع العربي يوم نزول القرآن ، ولكن الله أهلكهم فهل يتصورون على أنهم قادرون على دفع الهلاك إذا حلَّ بساحتهم . وامتزاج الضمائر والإشارات في هذه الآية بين أولئك وهؤلاء يحمل طياته إنذارا للمشركين باهلاكهم بطريقة أو بأخرى إذا ما حذوا حذو السابقين ، ولن يجدوا حينئذ مخرجا ولا سبيلا إلى النجاة . فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ والمحيص من حاص يحيص ، وهو المكان الذي تحفره البطة لتضع فيه بيضها ، وقد سعت تلك الأقوام ليجدوا لأنفسهم مخرجا ولو بمقدار
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ص 168 ، بحار الأنوار : ج 8 ص 126 .