حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ ]
« 1 » فلا يضيع لديه حكم سنة الله ، ولا حق لأحد ، فعهد الله له بالاستقامة على الحق محفوظ ، يصدق مع الناس ولا يغش ، ويرعى الأمانة و . . . . وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [ التوبة : 112 ] .
إن المتقين يرون أنفسهم شهداء في تطبيق النظام الاسلامي ، وحدود الشريعة المقدسة . لذلك فهم لا يعطون لأنفسهم الحق في تغيير الحدود الدينية بتبرير أنهم ثوار ومجاهدون ، بل إنك تراهم يلتزمون قبل غيرهم بتفاصيل المناهج التي بينها لهم ربهم سبحانه ، ولذلك فإن الله يعدهم برحمة منه واسعة ، ويبدو أن القرآن يشير إلى هذين الأساسين للتقوى بقوله سبحانه : هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ .
[ 33 ] وتسأل : متى يؤوب الإنسان إلى الله ويحفظ حدوده ؟ .
والجواب : حينما يخشاه بالحق ، وذلك أن الإنسان قد يظهر إمارات الخوف لأهداف ومصالح دنيوية يرومها ، إلا أنها لا واقع لها ، والخائف الصادق من الله هو الذي يخشاه حينما يكون بعيدا عن الأنظار ، فإذا به وقد تهيأت له أسباب المعصية يقاوم شهوته ويتركها إيمانا منه برقابة الله - في منأى عن أعين الناس - التي هي في نظره أهم من أية رقابة أخرى .
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ والإسلام يسعى قبل كل شيء لزرع الوازع الديني - الخوف من الله - في نفوس أتباعه كضمانة للالتزام بأنظمته وأحكامه ، ذلك أن أثر هذا الدافع أبلغ من سائر الروادع وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ وتشير كلمة وَجَاءَ إلى شرط الجنة الاستقامة على الحق حتى لقاء الله والمجيء له تعالى بقلب طاهر سليم .
[ 34 ] وإذا أحرز الإنسان هذه الصفات صار في زمرة المتقين الذين يدخلون الجنة بسلام ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ الإنسان في الدنيا لا يصل إلى ما يريد إلا بالجهد والتضحية ، ثم إن أجله محدود فيها مما يجعل لذته بنعمها قصيرة على خلاف الجنة ، فإن ما يحصل منها لا تعب فيه ولا لغوب ولا صراع ولا منافسة ولا يورث مرضا أو غصة ، بينما الدنيا بعكس ذلك تماما ( لا سلام فيها ) بل هي قائمة على أساس الفساد فلا ينال المرء فيها نعمة إلا بترك أخرى ، ولا يتمتع بلذة إلا وتسبب له منغصة ، ولا يستقبل يوما من عمره إلا بوداع يوم من أجله حتى قال الشاعر « 2 » :
زيادة المرء في دنياه نقصان * وربحه غير محض الخير خسران
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة 87 .
( 2 ) أبو الفتح علي بن محمد البستي . المتوفى سنة 400 ه ، راجع الذريعة : ج 4 ، ص 128 .