أي واحد منا إلا عمله ، فإن شاء نقلته سكرة الموت إلى غضب الله وعذابه ، وإن صلح نقلته إلى رضوان الله وثوابه . والإنسان حر في عمله فإما يختار الضلال أي الكفر والفساد ومنع الخير والاعتداء على الآخرين والارتياب في الحق فيكون مصيره النار ، وإما يختار التقوى أي الأوبة إلى الله ، وحفظ حدوده وأحكامه ، وخشيته بالغيب ، وتصفية القلب من الأدران بالإنابة والتوبة فيكون مصيره الجنة .
وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ونتساءل كيف تزلف الجنة للمتقين ؟ والجواب إن لهذه الآية تفسيرين :
الأول : إن الجنة بما فيها من نعيم ورضوان من الله منزلة رفيعة ، ومهما سعى الإنسان وبالغ في عمل الصالحات فإنه لا يرتقي إليها بعمله وحده ، وإنما يقربه منها أو يقربها منه فضل الله ورحمته ، قال النبي صلى الله عليه وآله :
[ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ
. قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَارَسُولَ الله ؟ قَالَ صلى الله عليه وآله :
وَلَا أَنَا ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ
. وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَوْقِ رَأْسِهِ وَطَوَّلَ بِهَا صَوْتَهُ ] « 1 » .
وحين يدخل المؤمنون الجنة تتبيَّن لهم هذه الحقيقة كما أدركوها ببصيرة الوحي في الدنيا ، فهم يَعُدُّون نجاتهم من العذاب بفضل الله ومنه لا بعملهم قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ( 27 ) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [ الطور : 26 - 28 ] .
الثاني : إن الجنة قمة سامقة لا يصلها الإنسان حتى يتَّصف بما يجعله لائقا لها ، فهي بعيدة كل البعد على الكافرين والعاصين ، ولكنها أقرب ما تكون إلى المؤمنين والمطيعين ، وإن الذي يقرِّبها أو يبعَّدها إنما هو مقدار عمل الإنسان ومجمل صفاته الايمانية التي نقرؤها في الآيات التالية .
وهذا التفسير لا يتعارض مع التفسير السابق بل يلتقي معه وينتهي إليه ، فرحمة الله التي هي العامل الأساس والمباشر في الدخول إلى الجنة ، ولكنها لا تشمل أحدا بلا سبب ، بل لابد أن يكون هو في مستوى استيعاب الرحمة .
ولأن من عقد البشر النفسية استعجال النتائج فتراه يكفر بالآخرة ولا يسعى للجنة سعيها لأنها في نظره جزاء بعيد ، فقد أكد القرآن على الجنة : غَيْرَ بَعِيدٍ .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 7 ص 11 .