تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
المحيص فلم يقدروا ، ووقع بهم العذاب . [ 37 ] وما في التاريخ من دروس وعبر آيات تستثير عقل الإنسان وتهديه إلى الحق ، ولكن بشرط أن يتجاوز الأغلال والأثقال التي تمنع النفس من التحليق في سماء الهداية والمعرفة ، وتعيق العقل من العبور خلال الشواهد والآيات إلى الحقائق . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى تستنقذ البشر من الغفلة والضلال ، وتعود إلى الحق الذي فطر عليه أن آيات الله سواء التي تتضمنها رسالته ، أو تلك التي تتجلى في نفس الإنسان وفي الآفاق ، أو التي تجلت ولا زالت تتجلى في تاريخ البشرية ، إنها كلها تشع بأمواج الهداية والتذكرة ، ولكن من الذي تنفعه هذه الآيات فتكون له ذكرى في الحياة ؟ إنما صاحب القلب . لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ يعني يعقل به ، والقلب هو جوهر النفس أو قطب الرحى منها ومجمع الإرادة والقرار الداخلي فهو محل التسليم للمعرفة بينما العقل هو قوة العلم ووسيلته ، وإنما سميت النفس قلبا تقلبها من حال إلى حال ، أو بسبب تقليب المعلومات سعيا وراء المعارف الجديدة إن جعل القلب هو العقل . وصاحب القلب هو الذي يقلِّب الأمور بتفكيره على وجوهها المتعددة ليتبع أحسنها بعد نظرة عميقة شاملة . يقول تعالى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ الزمر : 18 ] ، ولعل المقصود بأولي الألباب هم العلماء الذين يفقهون معاني الآيات باستشارة عقولهم مما نجد لهم إشارة في قوله تعالى : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ آل عمران : 7 ] ، قال الإمام الكاظم عليه السلام : [ يَا هِشَامُ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ : فِي كِتَابِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ . يَعْنِي عَقْلٌ ] « 1 » ولا ريب أن أهل بيت العصمة وأئمة الهدى عليهم السلام أئمة العقلاء والراسخين في العلم فهم أجلى مصاديق هذه الآية الكريمة ولا غرابة أن يقول أمير المؤمنين عليه السلام : [ أَلَا وَإِنِّي مَخْصُوصٌ فِي القُرْآنِ بِأَسْمَاءٍ ، احْذَرُوا أَنْ تَغْلِبُوا عَلَيْهَا فَتَضِلُّوا فِي دِينِكُمْ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أَنَا ذَلِكَ الصَّادِقُ ، وَأَنَا المُؤَذِّنُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ . وَقَالَ اللهُ تَعَالَى : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ أَنَا ذَلِكَ المُؤَذِّنُ . وَقَالَ : وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنَا ذَلِكَ الأَذَانُ . وَأَنَا المُحْسِنُ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ وَأَنَا ذُو القَلْبِ . يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ] « 2 » .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ص 15 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 33 ص 282 .