تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
الأرض ، بل لابد من عناية إلهية في الأمر . فلو كانت الأرض التي يهطل عليها الماء غير صالحة ، أو كانت صالحة ولكن أهلها مشغولون عن زراعتها ، فهل كان ذلك يحولها إلى جنات وزروع ؟ كلا . . فهي محتاجة إلى إنبات الله عزَّ وجلَّ لها برحمته ، ليجد العباد رزقهم فيها ، ولتكون صالحة للسكن فيعمروها . رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً إنك ترى الأرض هامدة لا حراك فيها وقد هجرها الناس ، فإذا بها بعد نزول الماء تحكي الحياة في كل جوانبها ، وبكل أشكالها ، فبعد أن يؤِّمن الناس رزقهم ينشطون لبناء مدينتهم وتوفير سائر مظاهر الحضارة فيها . ولعل هذا شاهد على أن الزراعة أصل كل حضارة ، وهذه إحدى النظريات الحضارية حيث قالوا : إنها ناشئة من تراكم المحصولات الزراعية التي تتراكم الثروة بعد بيعها وتبدأ بها دورة الحضارة . . ولا ريب أن حضارات عديدة في التاريخ نشأت بهذه الطريقة . أترى أن الذي أحيى البلاد بعد موتها يعجز عن إحيائنا بعد الموت ؟ ! كَذَلِكَ الْخُرُوجُ وفي الروايات إشارات إلى إن الإنسان يتلاشى في التراب ، ويبقى منه مقدار ذرة واحدة ( خلية ) حية تتعلق بها الروح في عالم البرزخ ، فإذا أراد الله بعثه أمطر السماء أربعين صباحا ، وجعل الأرض كرحم الأم ، فتنمو فيه تلك الذرة ، ولكن بصورة سريعة ، فإذا بالأرض تنشق عن بشر سوي . وليس من عجب أن يحدث ذلك ، فهذا هو الإنسان يبدأ حياته من نطفة صغيرة جدا تنطلق من صلب الأب إلى رحم الأم ، وهكذا تبدأ حياة كل شيء على وجه الأرض . فلتنظر إلى كل حبة تحسبها ميتة ، ولكن حين تدفنها في التراب تنشق عن زرع أو شجرة عظيمة . وإلى هذا التشابه تشير الآية الكريمة : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً [ نوح 17 : ] ، ونحن مع ذلك نؤمن بقدرة الله على الخلق والبعث بعد الموت بطرق لا تحصى عددا . وفي الخبر قال الصادق عليه السلام : [ إِذَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْعَثَ الخَلْقَ أَمْطَرَ السَّمَاءَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَاجْتَمَعَتِ الأَوْصَالُ وَنَبَتَتِ اللُّحُومُ ] « 1 » . وقال عليه السلام لما سُئِلَ عَنِ المَيِّتِ يَبْلَى جَسَدُهُ : [ نَعَمْ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ لَحْمٌ ولَا عَظْمٌ إِلَّا طِينَتُهُ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا فَإِنَّهَا لَا تُبْلَى تَبْقَى فِي القَبْرِ مُسْتَدِيرَةً حَتَّى يُخْلَقَ مِنْهَا كَمَا خُلِقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ ] « 2 » . [ 12 - 14 ] إن الآيات التي مضت كلها علاج لاستبعاد فكرة البعث من قبل الكفار ،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 7 ص 33 . ( 2 ) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ، ص 191 .
من هدى القرآن — صفحة 369 | السيد محمد تقي المدرسي