حيث قالوا : أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ ق : 3 ] . والآن يبيِّن القرآن بأن هذا الضلال لم يكن جديدا في تاريخ البشرية ، لأن الماضي ينطوي على أمثال كثيرة من تكذيب الأقوام السالفة .
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وهم أصحاب البئر التي رسوا نبيهم فيها بعد أن قتلوه ( ( عن عكرمة ) ) ، وقيل : الرس بئر قتل فيها صاحب ياسين ( عن الضحاك ) ، وقيل هم قوم كانوا باليمامة على آبار لهم ( عن قتادة ) ، وقيل : هم أصحاب الأخدود ، وقيل : كان سحق النساء في أصحاب الرس ( عن أبي عبد الله عليه السلام ) « 1 » ، والذي يبدو لي أنهم كانوا في اليمامة والرس اسم البئر التي دفنوا فيها نبيهم بعد أن قتلوه .
وَثَمُودُ وهم قوم صالح عليه السلام وَعَادٌ أي قوم هود عليه السلام وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وسمي أخاهم لأنه انتسب إليهم بالزواج ، والله العالم وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ يعني قوم شعيب الذين اشتهرت حضارتهم بالزراعة والبساتين ، والأيكة في العربية الأشجار المزدحمة التي تلتقي أغصانها ، وفيها تبني الحمام أعشاشها غالبا وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو رجل صالح ملك اليمن ، إلا أن قومه كانوا فاسدين كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ لقد بادت حضاراتهم نتيجة تكذيبهم الحق ، أولا يهدينا ذلك إلى تحقق الجزاء في الآخرة كما تحقق في الدنيا ، وحق الشيء أي ثبت ومنه الاستحقاق . وهؤلاء ثبت عذابهم ، وتحول من القدر إلى القضاء ، ومن الوعيد إلى الفعل .
[ 15 ] ويستنكر الله على هؤلاء تكذيبهم بالبعث ، وشكهم في قدرته تعالى فيقول :
أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ أي هل أعجزنا الخلق الأول من العدم عن أن نبعث الإنسان مرة أخرى ؟ كلا ، وفي الآية بيان إلى حقيقة تحلُّ شبهة هؤلاء حول البعث ، وهي أن القادر على الخلق من العدم أولى بالقدرة على جمع أشلاء البشر ونفخ الروح فيه مرة ثانية . وهذا دليل عقلي بصير على الرجعة للحساب ، وإن كان كلا الأمرين سواء عند الله الذي لا يمسّه نَصَبٌ ولا لغوب . والقرآن يعبر عن هذه الفكرة في موضع آخر بصيغة ثانية ، يقول تعالى : أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [ يس : 81 - 77 ] .
وفي تفسير هذه الآية سأل جابر بن يزيد أبا جعفر عليه السلام عنها قال :
[ يَا جَابِر ، تَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَفْنَى هَذَا الخَلْقَ وَهَذَا العَالَمَ وَأَسْكَنَ أَهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ جَدَّدَ اللهُ
هامش
( 1 ) مجمع البيان ، ج 9 ، ص 215 .