أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا بالكواكب التي تتناثر على بساطها البديع ليلا ، واللون الأزرق الهادئ بالنهار وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ فهي محكمة في بنائها ، لا ثغرة ولا كسرة وَالأَرْضَ لننظر إليها هي الأخرى ، ونتفكر في خلقها مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ولم يقل جبالا ، لأن كلمة الجبال لا تعبر عن دور الجبال في حفظ توازن الأرض كالمرساة التي تثبت السفينة في عرض البحر وفي أطراف الموانئ .
ومع ذلك ما كانت الأرض تصلح لعيش الإنسان عليها لو لم يتوفر فيها ما يحتاجه البشر من ضروريات وكماليات . لهذا كان من الحكمة الإلهية أن يوجد الرب أنواع الخلق على ظهرها وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ من الحيوانات ، والنباتات والناس وكل شيء . وكلمة زوج تنطوي على معان كثيرة من أبرزها التكامل ، الذي يدل - بدوره - على دقة النظم وحسن التدبير . أترى كيف جعل الله النبات والأحياء والبشر أزواجا ، الذكر والأنثى ، ثم الشعوب والقبائل ، ثم جعل الناس يتفاضلون ليحتاجوا إلى بعضهم ، ثم جعل كل شيء في الحياة بحاجة إلى غيره لتتكامل دورة الحياة بما يدع أدقَّ العقول حائرة في هذه الدورات التكاملية التي توازنت وتعادلت وشهدت على حكمة بارئها سبحانه .
ثم جعل الزوج بهيجا يجتذب بجماله الطرف الآخر حتى يسهل التفاعل ويكون أكرم من مجرد حاجة متبادلة .
[ 8 ] وهذه كلها آيات بينات على حكمة الله التي تقتضي البعث للجزاء وعلى قدرته التي تجعل الأمر ممكنا بل محتملا . وهي لا تغيب عن بصر أحد من الناس فالكل يراها بعينيه ، ولكنها تغيب عن بصائر الكفار ومرضى القلوب . تغيبها عنهم حجب الذنوب والجهل والغفلة ، وتعيها أذن واعية وقلوب طاهرة من المؤمنين تَبْصِرَةً تزيدهم علما وفهما ووعيا ورؤية وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ تزيدهم إيمانا وموعظة وعبرة وتقوى ، ونهتدي بهذه الآيات إلى فكرة أساسية ، وهي أن الإيمان بالله مركز العلم الحق ، ومنطلق الإيمان بسائر الحقائق ، فالمؤمن يهتدي من خلال نظره إلى الأشياء ، إلى المعارف والعلوم المختلفة ، فإذا به ذو بصيرة نافذة في الحياة ، كما يزداد يقينا بالحق ، لأنه ينظر إلى الحياة بنور الإيمان بالله عزَّ وجلَّ ، وهو رأس المعرفة وعماد الإيمان ، بينما ينظر الكافر إلى الأشياء ذاتها ، فلا يزداد إلا جهلا وكفرا ، وتبقى الآيات الواضحة ألغازا في قلبه لأنه لا نور له في الحياة وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] . لهذا جاء في الحديث المأثور عن أمير المؤمنين عليه السلام
[ أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ ]
« 1 » .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة : 1 .