مرة أخرى ، بلى ؛ قد يتحلل كيمياويا في التراب ، وتتبعثر عناصره ال : ( 130 ) عنصراً هنا وهناك في صورة ذرات تنقلها الأيدي ، أو تذرها الرياح ، ولكنها تبقى معلومة عند الله عزَّ وجلَّ ، ومحفوظة في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى .
قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ إذ تتحلَّل أوصالهم في ترابها وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ يسجل فيه كل شيء بدقة متناهية ، أوَلَيس الله هو الذي خلق الإنسان من بعد العدم ؟ فكيف يعجز عن جمع أوصاله وبعثه بعد الموت ؟ إنه يعلم كم أكل التراب من جسم هذا الإنسان ؟ وما هي الذرة من التراب التي كانت سابقا جزءا من بدنه ؟ وكيف تحللت منه ؟ وحين مات كمكان يحتوي عليه جسمه من الحديد ، والأملاح ، والماء وسائر العناصر بنسبها ووزنها ومساحتها التي تشغلها ، وكم في كل عضو منها و . . الخ ؟ !
إن الإنسان ليتعجَّب لو نظر إلى صندوق يحوي ملايين القطع التي يتكون منها محرك الطائرات العسكرية ، أو جهاز معقد آخر ، وربما لا يصدق أن أحدا قادر على جمعها وتركيبها لتصير إلى ذلك مرة أخرى ، أما الخبير الذي اخترعها وصنعها فليس كذلك ، إنه ينظر للأمر على أنه ممكن ، بل هو أمر يسير ، فكيف بالله الذي خلق الأشياء ، والذي كان أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ؟
[ 5 ] إن مشكلة الكفار أنهم لا يتَّبعون الحق ، بل لا يريدون اتباعه ، لهذا تراهم لا يفقهون هذه الحقائق ، ولا يثبتون على رأي واحد في الحياة لإتباعهم أهواءهم ، إذ الحق واحد وثابت في كل زمان ومكان بينما الهوى متغير بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ والذي يؤكد هذه الفكرة موقفهم من الرسول صلى الله عليه وآله ، فهم يسمُّونه ساحرا تارة ومجنونا أخرى ، وشاعرا ثالثة ، وأمينا وصادقا و . . الخ ، ولو أنهم اتبعوا الوحي لكان يعطيهم بصيرة وجوابا لكل سؤال ، حتى سؤالهم هذا عن البعث ، ولكنهم تركوه للهوى والمصالح فصاروا إلى الهرج والمرج ، ولعل هذا يفسر بروز النظريات المختلفة والمتناقضة في مختلف الحقول الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .
[ 7 - 6 ] ولو أن الكفار الذين يشكون في البعث نظروا إلى الخلق وتفكروا فيما عليه من النظم والتدبير لما تعجبوا من فكرة البعث ، لأن العقدة الأساس هؤلاء هي شكهم في قدرة الله على ذلك . وشكّهم هذا تعبير عن جهلهم ، فإذا تفكروا في خلق الله وازدادوا معرفة به وبآياته المتجلية في الكائنات ، لهداهم ذلك إلى الإيمان بقدرة الله . أترى السماء على سعتها ومتانة خلقها وما فيها من الإبداع ، والأرض التي ذللها الله ، وألقى على ظهرها الجبال العظيمة تحفظ توازنها ، وأوجد فيها كل ما يحتاج إليه ليصلح عيشنا فيها .
كل ذلك أفلا يهدينا إلى قدرة الله على إحيائنا بعد الموت ؟ !
من هدى القرآن — صفحة 366
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦٦