بالإسلام أو بالمسلمين أو بالتاريخ الإسلامي ذات حرمة بل قداسة عند البعض ، بينما نجد في تاريخنا ما يندى له جبين الإنسانية ، مثل واقعة عاشوراء حيث ذبح سيد الشهداء سبط رسول الله عطشانا على جنب الفرات وأسرت بنات رسول الله وطوف بهن البلاد . . كلا لا ينبغي أن نكون مثل الذين اتبعوا آباءهم وقدسوا تراثهم حتى قال لهم الله : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [ لقمان : 21 ] . وقال سبحانه : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [ المائدة : 104 ] . المقياس الوحيد للحق هو وحي الله المتمثل في كتاب الله ، وتفسيره الصحيح الذي بيَّنه رسول الله وأهل بيته المعصومون عليهم السلام ، أو ما يكشفه العقل والعلم بوضوح كاف . . أما سيرة السلاطين ، أو سلوك الأولين فإنه يخضع بدوره للوحي ، فما وافق كتاب الله وسنة رسوله أكرمناه ، وما خالفهما تركناه . . ولا يجوز تعطيل العقل في فهم الوحي لمصلحة التراث ، فإنه من الغلو في الدين الذي نهينا عنه ، كما قال الله سبحانه لبني إسرائيل : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [ المائدة : 77 ] .
من هنا لا يجوز أن ننسب العصمة إلى أصحاب رسول الله جميعا ، بل لا بد أن نخضع تصرفاتهم لقيم الوحي ونأخذ بما ثبت عن طريقهم من أقوال رسول الله ولا يلزمنا اجتهادهم في الدين أو تفسيرهم للقرآن ، ولا سلوكهم وبخاصة المخالف للنص .
ولا يجوز أن يوقعنا احترام الصحبة إلى مخالفة نصوص الدين ، بخلاف ما قال المفسر المعروف القرطبي حيث ذكر أنه : [ لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عزَّ وجلَّ وهم كلهم لنا أئمة ] « 1 » .
حقا ينبغي احترام الصحبة ، ولكن ليس إلى درجة الوقوع في التناقض أو التبرير الذي لا يقبله العقل ، فلا ريب أن قتال الصحابة مع بعضهم كان خطأ فادحا ، لا بد أن ندينه وندين الباغي ، وكيف يجوز لنا أن نقيِّم حوادث اليوم حسب الدين ، ولا يجوز أن نفعل مثل ذلك في الماضين ؟ أولم يكونوا بشرا مثلنا ؟ لنكنْ أكثر واقعية ، ونضع كل شيء في موضعه المناسب ولا نكون كالحسن البصري الذي سئل عن قتال الصحابة فقال : [ قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وغبنا ، وعلموا وجهلنا ، واجتمعوا فاتبعنا ، واختلفوا فوقفنا . . . ] « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 16 ص 321 .
( 2 ) تفسير القرطبي : ج 16 ص 322 .