السبب يتلخص في أمرين :
أولًا : أن أغلب الفرائض تروض النفس وتطهِّرها من الكبر . فإذا طغت النفس وتكبرت على القيادة الشرعية فقد تبين أن هدف الفرائض لم يتحقق ، فأحبطت الصلاة التي تكرس الذاتية ، بدل الخشوع ، والزكاة التي تزيد الهوة والطبقية في الأمة ، والحج الذي يورث صاحبه التعالي والتفاخر ، والصيام الذي لا يورث التقوى في النفس ، إنها جميعا عرضة للإحباط لأنها لم تحقق أهدافها .
ثانياً : إن الولاية عَمَدُ الدين ، فإذا سقط العمد ماذا يبقى من الدين ؟ أليس الدين نظاماً اجتماعياً متكاملًا يدور حول محور القيادة الشرعية ؟ فإذا ذهبت انهار كل شيء .
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إن أعظم الأمراض خطرا ذلك المرض الذي لا يحس به المبتلى ، لأنه لا يبادر لمعالجته وقد لا يقتنع بالمعالجة ، كذلك أخطر الذنوب الذنب الذي لا يشعر به المتورط فيه لأنه يسير به في طريق جهنم وهو يزعم أنه من أهل الجنة ، ومخالفة القيادة من هذه الذنوب قال الله سبحانه : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ( 103 ) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ الكهف : 103 - 104 ] .
ونتساءل : لماذا لا يشعر الإنسان بخطورة مخالفة القيادة الشرعية أو الاستخفاف بها ؟
ويبدو أن النفس تسوِّل لصاحبها بعض الذنوب بصورة تجعلها حسنات ، فهي كمرض النوم ( تسي تسي ) يجعل ضحيته يخلد إلى النوم حتى الموت ، وكلما اقترب إلى نهايته أوغل في اللا وعي .
ثم إن حبْط العمل بذاته من الأمور التي يصعب التحسس بها . أرأيت لو قيل لك أن ثواب حجتك التي أرهقت بها نفسك ، وأنفقت فيها مالا كثيرا قد ذهب أدراج الرياح بمجرد رفع صوتك في مجلس القيادة الشرعية . لا تصدِّق بذلك بسهولة ولكنه هو الواقع .
وأبسط دليل على تزيين الشيطان لنا مخالفة القيادة الشرعية أن المسلمين اليوم - كما في التاريخ - يتولون عن قيادتهم دون أدنى إحساس بالذنب ، بل ترى الكثير منهم يزعم أن لا علاقة للدين بشؤون الحياة الفعلية ، فلا حاجة إلى الإمام والقيادة الشرعية اليوم .
[ 3 ] هل تريد أن تعرف مدى قبول أعمالك الصالحة ، قبل يوم القيامة ، أي قبل فوات الأوان ؟ إذا تعال وقس نفسك بميزان القرآن ، كيف ؟ أليست الفرائض ذات حكم وفوائد تتجلى في حياة البشر ؟ بلى ، إذا دعنا نقيس أنفسنا بمدى تحقق تلك الحكم والفوائد في أنفسنا
من هدى القرآن — صفحة 308
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠٨