تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
المؤمنون حسب تقواهم ، ولم تأخذهم حمية الجاهلية ، ولم تؤثر فيهم إثارات قريش ، وصدهم إياهم عن إقامة شعائرهم ، بل قبلوا بقرارات القيادة ، حينئذ أثابهم الله على ذلك بتنمية روح التقوى في أنفسهم . وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فهو محيط بمدى ما يستقله قلب الإنسان من التقوى ، ولا داعي لإثارة الجدل في كون فلان من المؤمنين أم لا ، وهل يدخل الجنة أم النار ، لأن ذلك عند الله ، ولا ينبغي التطفل فيما يختص به الرب سبحانه . [ 27 ] ثم يؤكد ربنا صدق وعده لرسوله صلى الله عليه وآله بدخول مكة ، الأمر الذي يؤكد جدوى الصلح ، وكونه الفتح المبين حقا ، وخطأ تصورات البعض حوله ، حيث تصوروا إنهم إذا أبرموا الصلح مع المشركين لم يحققوا شيئا ، وإن الرؤيا التي أخبرهم بها الرسول لم تكن صادقة . لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ أي إن دخولكم هذه المرة سيكون دخول المنتصرين . . وحدث ذلك فعلا في السنة الثانية ، حيث فتحوا مكة ، وكل هذه المزايا والنتائج كانت مجهولة لدى المسلمين . فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً وهو صلح الحديبية ، أما الفتح البعيد فهو فتح مكة الذي جاء في أثر الصلح ، وهذا التأكيد من القرآن على تسمية الصلح بالفتح إنما كان لبيان حقيقة مهمة ، وهي وجوب اتباع القيادة وطاعتها عندما تختار طريقا معينا ، بعيدا عن العواطف ، ذلك أن من مشاكل القيادات الصالحة الضغوط التي تواجهها من قبل المتحمسين والمهيئين نفسيا للمواجهة ، فهم يريدونها تستجيب لحماسهم ، وإلا فهي في نظر البعض جبانة وضعيفة ، وعلى القائد أن لا يترك الحكمة للحماس والعواطف لتكون قراراته حكيمة وحازمة . إن الرسول صلى الله عليه وآله واجه هذه المشكلة ، إذ كان البعض يستنكر عليه عدم محاربته المشركين ، وحينما صالح عَدُّوا صلحه مذلة وإهانة ، بل ودليلا على ضعف سياسته ، ولو كان يستجيب لحماس هؤلاء ما كان المسلمون يبلغون ما بلغوا بعد الصلح ، كما واجه - أيضا - وصيه الإمام علي عليه السلام في معركة صفين معارضة من قبل المتشددين الذين سموا بعدئذ بالخوارج . [ 28 ] وربنا يؤكد حكمة نبيِّه ، وصحة قراراته ، لأنه يتبع هدى الله ودينه ، فلا يصح إذن أن نخالفه أو نشكك في قيادته .
من هدى القرآن — صفحة 290 | السيد محمد تقي المدرسي