هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ والظهور ( الانتصار ) مرة يكون بالحرب ، ومرة عن طريق الصلح ، والرب هو الذي أمر الرسول بالصلح مع المشركين ، وهو تكفل بإظهار دينه ورسوله والمؤمنين به على سائر الديانات والأمم .
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً لقد تنامت أمواج الرسالة في العالم منذ انبعاث الرسول العظيم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله إلى اليوم . أوَلَيس ذلك دليلا على تحقق وعد الله في ظهور الإسلام على الدين كله ؟ وقد جاء في التقارير أن نمو عدد المسلمين أكبر من ازدياد المنتمين إلى أي ديانة أخرى ؟ وهكذا تنتظر البشرية اليوم الحق الذي وعدها الله إياه حيث يظهر دينه على الدين كله .
[ 29 ] ثم إن النبيصلى الله عليه وآله الذي اتخذ قرار الصلح ليس قائدا عاديا حتى يجوز معه النقاش . إنه رسول الله الذي عصمه عن الخطأ ، ولم يكن الذين حوله من الرجال قد أصابهم الوهن حتى يجد نفسه مجبرا على الصلح ، فهم ليوث الأرض وفيهم أسد الله وأسد رسوله علي عليه السلام الذي وَتَرَ به النبي صناديد قريش .
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ فلا تأخذهم في الله لومة لائم ، ولا يتأثرون بالعواطف في جنبه ، قال الإمام علي عليه السلام :
[ فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وإِنَّ القَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الآباءِ والأَبْنَاءِ والإِخْوَانِ والقَرَابَاتِ فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وشِدَّةٍ إِلَّا إِيمَاناً ]
« 1 » .
وفي الوقت الذي تتميَّز الشخصية الإيمانية بالحدة والشدة ضد الأعداء ، فإنها في وجهها الآخر كلها رحمة ولطف بإخوة المسيرة الواحدة . رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ هذا عن علاقتهم بالناس ، أما عن علاقتهم بالله ، فهي علاقة العبودية والخضوع المطلق . . يمارسون العبادة في كل حركة من حركاتهم ، وفي كلَّ كلمة ينطقون بها ، لأن كل ما يصدر منهم هو تجلِّ للصلاة والعبادات بأهدافها وقيمها .
تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً إنك تقرأ الصلاة في سلوكهم ، فهم متصلون بالله ، منتهون عن الفحشاء والمنكر ، صادقون مع الآخرين ، ملتزمون بواجباتهم . . الخ ، لأن العبادة في نظرهم ليست مجرد الركوع والسجود ، ومن ثَمَّ الوقوف عند الصلاة بذاتها ، وإنما التحرك في الحياة بمقتضياتها وأهدافها ، وأبرز تلك الأهداف اثنان : ابتغاء فضل الله في الدنيا ، ورضوانه في الآخرة .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة 122 .