تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
هكذا كشف النبي صلى الله عليه وآله عن زيف ادعاءات قريش ، وأسقطها سياسيا عن كرسي سيادة العرب تمهيدا لإسقاطها عسكريا فيما بعد . ثم إن جريمة قريش كانت كبيرة ، إذ كيف يمنع المشرفون على البيت ، والمدعون خدمة الوافدين عليه الناس من ممارسة شعائرهم ؟ ! أولا يستحق هؤلاء القتل والعذاب بعد ظفر المسلمين بهم ؟ نعم ، ولكن الله حجز المؤمنين عن أذاهم لوجود المؤمنين بينهم ، سواء المؤمنين بالفعل ممن أخفى إيمانه تقية ، أو الذين هم على أعتاب الدخول في الدين ، ويحدثون أنفسهم بالانتماء إلى الرسالة وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني لو كنتم تقاتلون الكفار - دون أن يكف الله أيديكم عنهم - لكنتم تقتلون فيمن تقتلون المسلمين من دون علم ، لأنهم كانوا يكتمون إيمانهم على خوف من قريش ، ولأن شروط الصلح كانت لا تسمح لهم باللجوء إليكم ، ولو فعل المؤمنون ذلك لربما أضرهم ، ولكن الله لم يأمرهم بالقتال . ونعرف من هذه الآية : أولًا : أن المؤمنين استفادوا من فترة السلام التي وفَّرها الصلح في تقوية أنفسهم وبناء حركتهم وتوسيعها ، إلى الحد الذي اخترقوا فيه كيان قريش نفسها ، وحيث سارت جيوش الإسلام لفتح مكة كانت قريش منخورة الكيان من الداخل ، وكان الجند - وربما كثير من الزعماء الذين ينتظر منهم محاربة أتباع الرسالة - ينتظرون الفرصة المناسبة للتلاحم مع صف المؤمنين ضد أعدائهم ، وهذا بالفعل ما تؤكده سورة النصر : وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً [ النصر : 2 ] ، وربما لذلك أيضا لم تجد قريش نفسها قادرة على اتخاذ قرار المواجهة العسكرية ضد الجيوش القادمة من المدينة بقيادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، الأمر الذي جعل المسلمين يدخلون مكة فاتحين دون تضحيات . ثانياً : أن المؤمنين كانوا يجهلون هذه المكاسب العظيمة للصلح ، وذلك هو الذي جعل بعضهم يعترض على الرسولصلى الله عليه وآله ، وربما طفق يشك في قيادته ، فهم لم يكونوا يعلمون بالجبهة الإيمانية الموجودة في صفوف أهل مكة ، وقول بعضهم وقد حمل الراية « 1 » :
اليَوْمُ يَوْمُ المَلْحمَة * اليَوْمُ تُسبَى الحُرَمَةُ
دليل واضح على هذه الحقيقة .
هامش
( 1 ) بحارالأنوار ، ج 21 ، ص 130 .
من هدى القرآن — صفحة 287 | السيد محمد تقي المدرسي