إذا ما أهلكوا وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لنا كما لأولئك الغابرين ، فلم تدمر حياتهم بلا سابق إنذار ، وكانت النذر تترى عليهم بهدف صرف العذاب عنهم إذا اتبعوا النذر وعادوا إلى الرشد .
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ونستوحي من كلمة يَرْجِعُونَ أنهم كانوا مستبصرين في أول حياتهم ، ماضين على الفطرة الأولى ، فلما انحرفوا أنذروا بالعذاب لعلهم يرجعون إلى فطرتهم الأولى .
[ 28 ] فلماذا تولوا عن النذر ، ولم يستجيبوا لداعي الله ، ولماذا لم يعتبروا بمصير من سبقهم ؟
لأنهم اتخذوا من دون الله قربانا آلهة فزعموا أنهم ينصرونهم من عذاب الله ، ولكن هيهات .
وهكذا يزعم الإنسان أن بمقدوره التمسك بذيل من يزعم أنهم مقربون إلى الله ، من آبائه أو عظماء قومه لينجونه من مصيره ، وهكذا يخدع نفسه ويظل في غروره حتى يأتيه العذاب فيكتشف متأخرا أنه كان في ضلال بعيد ، وأنهم لا يستطيعون نصره أبدا .
فَلَوْلا نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً وكما أنهم لم يقدروا على نصرهم في الدنيا من الدمار فإنهم لا ينصرونهم في الآخرة من عذاب النار .
بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ لقد ضلت الآلهة عنهم فلم يجدوا لها أثرا عند نزول العذاب ، شأنهم شأن كل دجل وخداع ترى له صورا ، وتسمع جلبة ، وتستقبل وعودا في الرخاء ، أما عند الشدة فهي تتلاشى كما يتلاشى السراب عندما تقترب منه .
ولكن من المسؤول : الآلهة التي كثيراص ما وعدت أنصارها بالنصر ثم ضلت عنهم عندما دقت ساعة الانتقام ، أم أولئك الذين خدعوا بهم ؟ لا ريب أن الذين قبلوا الانسياق مع ضلالات الآلهة هم المسؤولون ، لأن الآلهة من دون الأنصار لا تعني شيئا . أرأيت لو لم يعبد أحد صنما هل يختلف الصنم عن أية حجارة أخرى ؟ أو رأيت إن لم يتبَّع الناس الطغاة هل هم يتميزون شيئا عن غيرهم ؟
إذن المسؤول أولا الإنسان الذي يصنع الإفك ، ويفتري على الله وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ قالوا : الإفك الكذب ، وكذلك الأفيكة ، والجمع الأفائك ، وإفك الجماعة كان يتمثل في تقديس الآلهة والاعتقاد بقوتهم وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ولعل المراد من ذلك الأنظمة الفاسدة التي كانت تترتب على هذا الإفك ، والتي كانوا يفترونها على الله كذبا .
من هدى القرآن — صفحة 190
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٩٠