هدى من الآيات :
يستمر السياق في الحديث عن سنة الله في الخليقة التي تتجسد في بعث الأنبياء عليهم السلام ، كلما انحرف الناس عن المسيرة ، وإنذارهم بمصيرهم المرتقب ، ويشير إلى القرى التي أنذر أهلها بالأنبياء ، وأنزل لهم الكتب لعلهم يهتدون ، ولكنهم بَدَلَ أن يعبدوا الله ويعتمدوا عليه إذا بهم يعبدون الأنداد من دونه ، فلم يغنوا عنهم - ساعة الانتقام - شيئا .
ويقصُّ علينا ربنا في هذا السياق كيف صرف إلى الرسول نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما آمنوا به ولوَّا إلى قومهم منذرين ، ولعل سبب ذكر هذه القصة في هذا السياق أن الكفار كانوا يزعمون بأن الجن أنصاف آلهة ، وأنهم يدفعون عنهم الضراء . أوَلَم يقل ربنا سبحانه : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ [ الجن : 6 ] ، فجاءت هذه القصة لبيان حاجة الجن أيضا إلى الرسالة .
بينات من الآيات :
[ 26 ] عندما يفرُّ الجاحد - لآيات الله - من مسؤولية الاعتراف بالحق ، والتسليم له ، يلجأ - في زعمه - إلى ركن الغرور بالقوة والعلم ، ويعتقد أن ما يملكه من أموال ، ومن كيد ، ومن مكر تغنيه شيئا عندما يحدق به خطر الدمار ، بسبب كفره بالله ورسالته .
كلا . . إن مصير الغابرين من عاد ، وثمود ، وفرعون وهامان وجنودهما ، وغيرهم يكفينا عبرة بأن قدراتنا المادية والعلمية إن هي إلا غرور .
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ و ) ما ( في قوله : فِيمَا بمنزلة ) الذي ( وإِنْ نافية بمنزلة ( ما ) ، والتقدير : ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه أي ما لم نمكنكم فيه ، والمعنى : أنهم كانوا أقوى منكم ، وأكثر منكم أموالا وكذا في قوله تعالى : كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ [ غافر : 82 ] . وإذا كانت قوتهم الشديدة لم تمنعهم من عذاب الله فلا ينبغي أن يظنوا أنهم بمأمن من العذاب .
وهكذا كانت الإمكانيات التي سُخِّرت لهم أكثر مما سُخِّرت لقريش ، وربما لكل قوم يتلون الكتاب من بعدهم وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً وبما أنهم كانوا مزودين بهذه الأجهزة زعموا بأنها تنقذهم من عذاب الله . ذلك أن الإنسان يهلك إذا كان ضعيفا ، أو جاهلا ، أو غافلا ، ولم يكن أولئك القوم كذلك ، ومع ذلك أهلكوا عندما أراد الله .
من هدى القرآن — صفحة 188
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٨