تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ وإنما ينتفع الإنسان بهذه الجوارح إذا كان مؤمنا بآيات الله ، أما إذا كفر بها فإنه سوف يخطئ المنهج السليم للانتفاع بها . . أرأيت الذي يملك أفضل وسيلة سير ثم يخطئ السبيل فهل تنفعه وسيلته لبلوغ غايته إذا كانت وجهة سيره خاطأ ؟ ! كذلك الذي لا يؤمن بالحقائق الكبرى ثم لا يستفيد من معرفته بالحقائق الجزئية التي تقع في إطارها ويكون مثله كالذي لا يعترف أن عدوه يمتلك قنبلة نووية ، ثم يجد في معرفة عدد دبابات العدو . . إنه سيخسر المعركة قطعا حتى إذا عرف كل حقيقة في سلاح المدرعات عند العدو . هكذا من لا يعتقد بقوة الله التي أرسلت على قوم عاد تلك العاصفة الهوجاء ، التي دمرَّت كل شيء بإذن ربها ، أو التي أخذت فرعون وجنوده ونبذتهم في اليم نبذا . إن مثل هذا الرجل لن ينتفع شيئا بمعرفته مثلا بأصول الهندسة ، أو كيفية تنظيم الجيش ، لأن كل ذلك وضع في مواجهة أخطار بسيطة ، أما مقاومة تغيير طبيعي هائل فإنه فوق قدراتنا المنظورة . . تماما كالذي يجهد نفسه في بناء خندق عميق في مواجهة سلاح ذري . . إنه مغرور لأن الخندق إنما أنشئ لمواجهة سلاح تقليدي وليس سلاحا ذريا . وهكذا السمع والأبصار والأفئدة إنما هي أدوات لمواجهة أخطار عادية ، ولا تنفع الذي يخالف إرادة الله شيئا إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون من الحقائق الكبيرة التي جحدوها ، وسخروا منها . إنها نزلت بهم كالصاعقة ، وتنزل بمن يسير في خطهم الباطل . [ 27 ] لا تزال على الطبيعة من حولنا آثار تنطق بسنن الله في التاريخ ، فهذه القرى من حولنا قد أهلكت بفعل ضلالتهم عن الحق . ولكن هل أهلكوا فجأة ومن دون نذر ؟ كلا . . وكانت قريش تمر على قرى مدين وثمود عند رحلتهم صيفا نحو الشمال ، وعلى قرى الأحقاف عند رحلتهم شتاء نحو الجنوب ، وجاء القرآن يبصرهم بِعِبَرِ تلك القرى الخاوية على عروشها ، وتلك الآبار المعطلة ، وآثار القصور المشيدة . وهكذا يستنطق كتاب الله حوادث التاريخ وآثار الغابرين ، ويجعلها تحكي للإنسانية سيرة أسلافهم لعلهم يسعدون بتجاربهم وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنْ الْقُرَى وفي أي بلد كنت طف على القرى الغابرة من حولك . قف على أطلالها ، واستنطق آثار الأولين ، وسائلهم : لماذا أهلكوا ، فاستوعب عبر حياتهم قبل أن تكون عبرة لمن يعقل من بعدك ، ذلك أن البلاد جميعا لا تخلو من آثار الغابرين الذين كتبوا عليها دروسا لم يتعلموها من أحد ، ولو تعلموا بعضها