تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
الرسول بعد أن عرفوا صدقه قائلين : يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وأشاروا بكلمة يَا قَوْمَنَا أنهم يريدون لهم الخير باعتبارهم من قومهم ، ثم أمروا بطاعة الرسول لأنه يدعو إلى الله ، وهكذا يؤدبنا القرآن ألا نكرم أحدا أو نطيعه إلا باسم الله وباعتباره داعيا إليه . وَآمِنُوا بِهِ لعل الإجابة هي التسليم له بصورة مجملة ، بينما الإيمان هو العمل برسالته يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ تلك الذنوب التي تراكمت علينا قد ذهبت لذاتها وتلاشت دوافعها ، بينما بقيت تبعتها وآثارها على القلب ، وعواقبها على المستقبل ، لعلنا نسيناها ، بيد أن كتاب ربنا قد أحصاها ، لذلك كان الخلاص منها غاية منى الموقنين ، وأعظم باعث لهم نحو الطاعة للقيادة الشرعية ، والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق ، وربما الشهادة في سبيل الله . وتساءل المفسرون : لماذا قال مِنْ ذُنُوبِكُمْ ، أوَلَيس الإسلام يجبُّ ما قبله ، مما يعني أن الله يغفر كل الذنوب السابقة عليه ؟ ومن هنا قال بعضهم : إن مِنْ زائدة . ولكن قال الآخرون : إن مِنْ ليست زائدة ، وإن مجرد الإسلام لا يطهرِّ صاحبه من تبعات كل الذنوب ، بل كلما عمل الإنسان ببعض الواجبات سقطت عنه طائفة من الذنوب حتى لا يبقى منها إلا النزر اليسير ، وانطلاقا من هذا التفسير الموافق لظاهر القرآن - حيث إن الظاهر ألا تكون أية كلمة أو حرف زائدة - يجتهد المؤمنون في الأعمال الصالحة لتذهب بالسيئات . وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ومن ذا الذي يجير العبد من ربه المحيط به علما وقدرة ؟ ! وإذا كان الجن بحاجة إلى من يجيرهم من عذاب الله ، فهل يقدرون على إجارة أحد من الإنس ممن يستعيذون بهم ؟ ! حقا : إننا جميعا نبحث عن الأمن فهل نجده إلا عند ربنا الكريم ، ولكن هل يجيرنا الرب من دون طاعة رسوله الداعي إليه ؟ [ 32 ] وهل يستطيع أحد أن يهرب من حكومة الله ، ويخرج من حدود سلطانه ؟ أنَّى له ذلك وكل ذرة في وجوده قائمة به سبحانه . وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ فلا يستطيع هربا من عاقبة كفره أنَّى مضى من أطراف هذه الأرض التي هي في قبضة ربها . إنه لا يعجزه فرارا كما يعجز أحدنا الآخر بالانتقال من حدود سيطرته أو علمه وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ ينصرونه ، بالرغم من أن الإنسان يزعم أن عشيرته أو أسرته أو حزبه وناديه يهرعون إلى مساعدته عندما يتعرض